رسول القدر(7) _ ناصر محمود
****رسول القدر ***(7)
ولهذا كان عليهما أن يفتحا أبواب الذاكرة، لا ليستدعيا الوجع، بل ليودّعاه. أن يتركا خلفهما أكياس الخيبات المتراكمة، وبقايا العلاقات المكسورة، وأصوات الأمس التي لم تعد تنتمي للحاضر. أن ينظّفا قلبيهما كما يُنظَّف البيت قبل استقبال الضوء، وحينها فقط يصبح الحب صالحًا للسكن… لا مكدّسًا بالنفايات العاطفية.
-يتبع-
نفايات عاطفية (2)
لم يكن الأمر مقتصرًا عليها وحدها، بل كان امتدادًا لتجارب قاسية عانى منها هو أيضًا؛ خبراتٍ كانت تُودَع يومًا بعد يوم في خزائن الغدر، كما تُودَع العملات الصدئة في صندوق لا يُفتح.
لقد مرّ بتجربة مريرة، وكان ضحيتها كعادته الطيبون؛ فالطيبة وقود العلاقات البائسة، وضحاياها الدائمون.
كان يشعر أن تلك التجارب لم تمرّ به مرور الكرام، بل تركت شروخًا دقيقة في روحه، شروخًا لا تُرى، لكنها تُوجِع كلما حاول الاقتراب من أحد من جديد.
لم ينسَ أبدًا تجربته الأولى، حين وجد نفسه في مواجهة امرأة تناطحه كأنه عدو، على النقيض تمامًا مما كانت تُظهره في أيام الارتباط الأولى. وكأن العلاقات في مجتمعه صفقات باردة، تُدار بمنطق الصيد لا الشراكة: كيف تصطاد المرأة الرجل المناسب لشباكها؟ وإن خذلها الحظ، تمسكنت حتى تنال دورها المتأخر في الزواج، لا خوفًا من الوحدة، بل خشيةً من نظرة المجتمع، أكثر من أي شيء آخر.
لم يكن يرفض فكرة الارتباط بحد ذاتها، بل كان يرفض أن يكون مجرّد غنيمة في سباق الخوف من العنوسة، أو حلًّا أخيرًا لمجتمع لا يرحم.
يحدث هذا أحيانًا بلؤمٍ صامت، يوحي لمن هو خارج هذا المجتمع أن النساء لا يُبالين بالزواج، بينما في الداخل تتراكم تعقيدات نفسية أشدّ عمقًا مما يبدو على السطح.
هكذا تحولت حياته إلى جحيم مع امرأة بدأت صفاتها الحقيقية تظهر مع الوقت: عناد، وضجيج، وبرود، ودهاء لا ينتهي.
تلك التجربة صنعَت منه شخصًا دفاعيًا، يخشى تكرار الألم، فدفعه ذلك إلى خوض تجربة أخرى في مجتمعات مختلفة، لعلّه يجد مبتغاه. غير أنه اصطدم هناك بثقافات أكثر انفتاحًا، لها ما لها، وعليها ما عليها.
كل ذلك زعزع ثقته بالنساء، حتى كاد يراهن ألدّ أعدائه.
لم يكن كرهًا بقدر ما كان تعبًا متراكمًا، ولا عداءً بقدر ما كان خيبةً فقدت قدرتها على الشفاء السريع.
لكن حين رأى تلك الزهرة البيضاء التي اختطفت قلبه وأسرت لُبّه، تراجع عن كل مخاوفه… أو كاد. لم يتخلّص منها تمامًا.
بقيت في داخله رواسب من انعدام الثقة بالآخر، أيًا كانت جنسيته، وكان هذا صراعًا يخوضه وحده. بطبيعته كان ميّالًا إلى نقد الذات، فحمل في داخله شخصين:
أحدهما مثقل بألم الماضي، بتفاصيل لا تغادر الذاكرة،
والآخر يحاول الدفاع عن محبوبته، وحمايتها من شكوكه وهواجسه.
وكان هذا الانقسام يستنزفه بصمت؛ فلا هو قادر على الاستسلام الكامل، ولا هو راغب في الهروب مرة أخرى.
وكان رائعًا أنها أدركت ذلك بذكائها الفطري، وساعدته — دون أن تدري — في ترميم ما تكسّر داخله. في كل عثرة يمران بها، كانت تثبت له، قدر استطاعتها، وفاءها وتفانيها في حبه.
ولها الفضل الأكبر في استمرار هذه العلاقة؛ فلولاها لانتهى كل شيء منذ أول صدام.
كان لزامًا على كل طرف أن يعي ما يعانيه الآخر، وألا يقف في موضع الناقد أو المتربص، بل في موضع المحبّ المنقذ.
وما زال يشعر تجاهها بالعرفان لما فعلته؛ فقد واجهت أعاصير غيرته وهواجسه، وبثّت الطمأنينة في صدره، حتى شعر أنه الأوحد في قلبها بلا منازع.
ومع الوقت، أدرك أن الحب ليس غياب الخوف، بل وجود من يُطمئنك وأنت خائف.
فاستكانت روحه، وهدأت على شواطئها وحدها.وها هي قدر رست واطمأنت.
شكرا زهرتي البيضاء
ناصر محمود – مصر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات