السكينة بين الانتظار والقدَر _ د.راوية عبدالله
"السكينة بين الانتظار والقدَر"
ليس الانتظار زمنًا…
بل كشفًا.
وليس القدَر حادثةً تقع،
بل حقيقةً تتجلّى.
حين تُرهقك الأسئلة،
لا لأنك تجهل الجواب،
بل لأنك ما زلت تظن أنك مركز الحكاية،
يبدأ الطريق الحقيقي.
السكينة لا تولد من تحقق الرغبة،
بل من انطفاء الادّعاء.
أن تسقط عن عرش التفسير،
وتعترف أنك لست الممسك بالخيوط،
بل خيطٌ في نسيجٍ أوسع مما ترى.
الانتظار في ظاهره فراغ،
وفي باطنه تخميرٌ للروح؛
كما يُخبّأ العجين في عتمةٍ دافئة
ليتهيأ لصعوده،
تُخبّأ أنت في زمنٍ لا تفهمه
ليعلو فيك ما لم يكن ليستيقظ في الضوء.
كل ألمٍ مرّ بك
لم يكن عارضًا في جسد الحياة،
بل كان إشارةً إلى موضعٍ فيك
يحتاج إلى تهذيب.
الألم في سرّه
دعوةُ رجوع.
رجوعٌ من التعلّق بالصورة
إلى الثقة بالمُصوِّر،
ومن التمسّك بالأسباب
إلى التسليم بمُجري الأسباب.
حين تُسلب منك الأشياء،
لا يُراد بك الفقر،
بل يُراد بك الاتساع.
فالممتلئ بغير الله
لا يتّسع لحضوره،
والمزدحم بتوقعاته
لا يسمع همس العناية.
القدَر ليس خصمًا،
ولا اختبارًا قاسيًا فحسب،
بل مرآةٌ تُظهر لك
ما لم تكن لتراه في رخائك.
وربما — في سرٍّ أعمق —
لم يكن القدَر يتغيّر حولك،
بل كان يعرّيك من الصورة التي ظننتها نفسك.
فما يؤلمك أحيانًا
ليس ضياع الأشياء،
بل سقوط التعريف القديم لذاتك.
هو الطريق الذي يسلبك يقينك الزائف
ليهبك يقينًا لا يتزعزع.
أتعلم سرّ السكينة؟
أن تكفّ عن السؤال:
"لماذا أنا؟"
وتبدأ في الإصغاء:
"ماذا يُراد بي؟"
هناك فرقٌ بين أن تعيش الأحداث،
وأن تعيش المعنى الكامن فيها.
الأول مرورٌ عابر،
والثاني تحوّل.
الحياة ليست ما يحدث حولك،
بل ما ينكشف فيك.
وكل انتظارٍ يطول،
إنما يطيل جذورك في الأرض،
حتى إذا هبّت الريح
لم تقتلعك.
في جوهر العناية الإلهية،
لا يُقاس القرب بكثرة النعم،
بل بصفاء البصيرة.
قد تُحجب عنك الأشياء
لتُعطى الرؤية.
وقد يُؤخَّر عنك الوصول
ليُمنح لك الطريق.
التأخير ليس حرمانًا،
بل تطهيرٌ من استعجال النفس.
فالروح لا تنضج في الضوء الدائم،
بل في تعاقب الخفاء والتجلّي.
تُؤخذ منك طمأنينتك الصغيرة
ليُعاد بناؤها على أساسٍ أعمق.
تُكسر صورتك عن نفسك
لتخرج منك نسخةٌ لا تخاف الفقد،
ولا ترتجف أمام الغيب.
وإذا طال عليك الليل،
فلا تنشغل بموعد الفجر،
بل تأمل كيف تتّسع عيناك للظلمة،
وكيف تبدأ برؤية ما لا يُرى في النهار.
هناك،
في العتمة التي ظننتها نهاية،
يُعاد تعريفك.
تُسحب منك الأسماء التي التصقت بك،
والأدوار التي احتميت بها،
حتى تقف عاريًا إلا من حقيقتك.
وهنا فقط،
تفهم أن القدَر لم يكن يسوقك إلى حدث،
بل إلى معرفة.
معرفة نفسك،
ومعرفة ربك،
ومعرفة أن بين الاثنين سرًا
لا يُدرك بالعقل وحده،
بل يُذاق.
السكينة ليست سكون الظروف،
بل سقوط المقاومة.
أن تمشي في المجهول
كمن يمشي في أرضٍ يعرف أنها مأمونة،
حتى لو لم يرَ الطريق.
عند هذه العتبة،
يتحوّل الانتظار إلى حضور،
والألم إلى معراج،
والفقد إلى كشف،
والغيب إلى ألفة.
فتدرك — بعد كل الدوران —
أن ما كان يحدث لك
لم يكن ليُثقلك،
بل ليُخفّفك؛
لم يكن ليكسرك،
بل ليحررك من كل ما ليس أنت.
وفي النهاية،
لا تصل إلى ما أردت،
بل تصل إلى من أصبحت.
وهناك…
لا يعود السؤال قائمًا،
ولا يعود الانتظار عبئًا،
بل يصبح كل شيء
علامةً على حضورٍ أوسع
يسكنك
قبل أن تسكنه.
د.راوية عبدالله
شعر



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات