العدم انقلاب _ یوسف خلیل
العدم انقلاب..
لنسيان الوجود . !
قلم ... یوسف خلیل
لا يَزالُنا نَسْبَحُ فِي فَضَاءِ العَدَمِ، نَتَحَرَّكُ بِلا وَعْيٍ وَإِرادَةٍ، نَسْتَسْلِمُ لِتَيَّارِ الحَياةِ الَّذِي يَجُرُّنا إِلى الوراء. نَأْكُلُ بِاسْتِمْرارٍ، وَيَغْمُرُنا النَّومُ، نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ بِلا فِعْلٍ. نُسَلِّمُ عَلَى المَوْتِ، وَنَحْنُ غَارِقُونَ فِي دَائِرَةٍ مُغْلَقَةٍ مِنَ العَدَمِ. نَتَشَبَّثُ بِأَيْدِينا بِحَبْلِ المَهَامِهِ، وَنُواصِلُ الدَّوَرانَ فِيها.
بَيْنَ الرَّاضِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، تَبْرُزُ فُرَصُ الصِّراعِ. فَإِذا ما سَأَلْتَهُمْ عَنْ رَغَباتِ الجَمْعِ وَإِرادَتِهِمْ، تَتَحَوَّلُ العِباراتُ إِلى رَقابَةٍ تَتَصَدَّى لَهَا. يُقَرِّرُ الأَفْرادُ فِي المُجْتَمَعِ مَصِيرَهُمْ بِلا حِوارٍ أَوْ تَبادُلٍ لِلأَسْرارِ، وَيَعْتَزِلُونَ.
بِسَبَبِ قِلَّةِ الخِبْرَةِ وَعَدَمِ وُجُودِ عامِلٍ مُهِمٍ، إِلى أَيَّ حَدٍّ يُمْكِنُ لَكَ أَنْ تُوَازِنَ الزَّمَنَ؟ بِسَبَبِ العَجْزِ وَعَدَمِ وُجُودِ سَنْدٍ خَلْفَ السِّتارِ، لا يُمْكِنُكَ أَنْ تَغْفِرَ لِنَفْسِكَ. فِي هَذَا الوَجْهِ لِلْوُجُودِ، لا يُمْكِنُ التَّوَقُّعُ أَنْ تَتَحَقَّقَ الأَمَانِي. لا شَكَّ أَنَّ العَدَمَ هُوَ عِبارَةٌ لِإِخْفاءِ الحَقِيقَةِ وَإِضْفاءِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى اسْتِمْرارِيَّةِ نِظامِ الأَبْ وَالدَّوَرانِ تَحْتَ سَيْطَرَتِهِ، وَإِثْباتِ صِحَّةِ القَرَاراتِ.
فِي وَسَطِ مَجْتَمَعِهِمْ وَطَبِيعَتِهِمُ الأَبَدِيَّةِ، يُعَدُّ الخُرُوجُ عَنْ تِلْكَ العِباراتِ وَالمُناقَشاتِ المُقَيَّدَةِ تَمَرُّداً. وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلى مُوَاجَهَةِ العُقُوباتِ الَّتِي تُطَبَّقُ عَلَيْكَ، وَيَتَمَّ اخْتِبارُ كُلِّ مَشاعِرِكَ. سَيَظَلُّونَ بِشَكٍّ دائِمٍ فِي سُلُوكِكَ. إِذا اسْتَمَرَّ الأَمْرُ عَلَى هَذا الحالِ، فَلا شَكَّ أَنَّ الوُجُودَ لَنْ يَتَحَقَّقَ أَبَداً. إِذا اسْتَسْلَمْتَ لِلرَّاضِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَسَتَعِيشُ فِي إِعْياءٍ مُسْتَمِرٍ وَتَسْقُطُ وَتَتَعَثَّرُ مَرَّةً أُخْرى لِكَيْ تَعِيشَ!
إِذا وَقَفْتَ وَأَصْمَتَّ، فَهَذا يَعْنِي المَرَضَ، وَسَتَضْطَرُّ إِلى عَدَمِ العَيْشِ. وَسَيَظَلُّونَ يَنْتَظِرُونَ عِنْدَ بابِكَ وَيَطْلُبُونَ مِنْكَ المُساعَدَةَ لِيُساعِدُوكَ. لا شَكَّ أَنَّ هَذا لَيْسَ بِدُونِ ثَمَنٍ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. هَذا دَلِيلٌ مُثْبَتٌ: إِذا لَمْ تَسعَ، لَنْ تَصِلَ. لا تَتَوَقَّعْ مُقابِلَ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ إِذا مَا أَمْسَكَ أَحَدٌ بِيَدِكَ وَقَلَّلَ مِنْ خَطَواتِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسْكِتَكَ وَيَعِيدَ وَضْعَكَ تَحْتَ سَيْطَرَتِهِ مِنْ جَدِيدٍ!
إِلى أَيَّةِ زاوِيَةٍ يَجِبُ أَنْ نَلْتَفِتَ؟ حَتَّى يَمْزُقَ هَذِهِ الحُدُودَ وَالقُيُودَ الَّتِي تُكَبِّلُ الأُسَرَ وَالأَفْرادَ فِي المُجْتَمَعِ، وَيُعَرِّفَنا بِشَخْصٍ صاحِبِ وُجُودٍ حُرٍ، وَيُظْهِرَ لَنا عالَماً مَفْتُوحاً، وَيُسْعِدَنا بِسَلامٍ مُطْمَئِنٍ. مَثَلُنا كَطائِرٍ بِلا أَجْنِحَةٍ، نُرِيدُ أَنْ نَطِيرَ وَ نَقْتُلَ فِي السَّماءِ الواسِعَةِ، نَخْفِقُ بِجَناحِ الرِّيحِ. لَنْ نَرْتَدِيَ ذَلِكَ الحِجابَ إِلى الأَبَدِ لِإِثْباتِ شَخْصِيَّةِ كُلٍّ مِنَّا (إِلى أَنْ يَصِلَ إِلى حَدِّ الِانْتِفاخِ فَيَنْفَجِرَ). وَانْفِجارُهُ يَعْنِي كَسْرَ الحُدُودِ القاسِيَةِ لِذَلِكَ الحِجابِ، وَتَحْرِيرَ رَغَبَةِ التَّعَرُّفِ عَلَى الحَياةِ السَّعِيدَةِ.
أَمَّا سَمَكَةُ (سَامَد)، فَمَتَى تَصِلُ إِلى تِلْكَ القَناعَةِ بِأَنَّ الحَياةَ لا يَجِبُ أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى هَذِهِ الزَّنْزانَةِ؟ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُناكَ مَكانٌ آخَرُ غَيْرَ هَذِهِ المَنْزِلِ الأَبَدِيَّةِ! بِهَذِهِ الشُّكُوكِ، وَاجَهَ مُشْكِلَةً. مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، أَصْبَحَ الوُجُودُ رَقابَةً فِي وَجْهِ طُرُقِهِ. فِي النِّهايَةِ، لَمْ يَسْقُطْ وَاتَّبَعَ أَحْلامَهُ، وَتَعَرَّفَ عَلَى أَشْياءَ كَثِيرَةٍ لَمْ يَرَها قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى فِي أَحْلامِهِ. لَمْ يَخَفْ مِنَ المَوْتِ، وَكانَ يَقُولُ دائِماً: "لَنْ أَهْرَبَ مِنَ المَوْتِ. إِذا مُتُّ، فَالأَمْرُ لَيْسَ مُهِماً أَنْ يَضِيعَ جَسَدِي وَلا تَتَحَقَّقَ أَحْلامِي! بَلِ الأَهَمُ هُوَ: إِلى أَيَّ حَدٍّ يُمْكِنُنِي أَنْ أُؤَثِّرَ فِي مُحِيطِي؟!"
ماذا يَجِبُ أَنْ نَفْعَلَ لِكَيْ نُجَسِّدَ تِلْكَ الأَحْلامَ فِي أَنْفُسِنا؟ إِذا أَرَدْنا، سَنَجِدُ الجَوابَ. يَجِبُ أَنْ نَتَسامَحَ أَكْثَرَ مَعَ أَنْفُسِنا وَمَعَ سَعادَتِنا! لِنَبْدَأْ عَمَلِيَّةَ تَكْمِيلِ أَنْفُسِنا وَنُواصِلَ القِراءَةَ وَالبَحْثَ وَنُوَاجِهَ جَمِيعَ المُعْتَرَضاتِ. لِنَكُنْ مُسْتَعِدِّينَ دائِماً لِإِيجادِ ذَاتِنا الشَّخْصِيَّةِ وَمَلْءِ حِجابِ عَقْلِنا الدَّاخِلِيِّ، وَلا نَسْتَسْلِمْ لِوُحُوشِ القَدَرِ المُتَنَوِّعَةِ. لَا نَتَوَقَّفُ، وَالمَوْتُ أَمْرٌ ثانَوِيٌّ، وَنَحْنُ نَنْساهُ إِلى الأَبَدِ. إِذا كُنَّا سُعَداءَ بِهَذا المُسْتَوَى، يَجِبُ أَنْ نَتَوَقَّعَ تَدَفُّقَ المَشاعِرِ وَالشُّعُورَ بِجُدْرانِ الرَّقابَةِ. بِهَذا، يُمْكِنُنا أَنْ نَحُدَّدَ الحُدُودَ وَنَتَعَرَّفَ عَلَى أَشْياءَ كَثِيرَةٍ أُخْرى لَمْ نَتَخَيَّلْها قَبْلَ ذَلِكَ.
أَوْ لِنَنْظُرْ بِتَدَقُّقٍ إِلى الطِّفْلِ: عِنْدَما يُكْسَرُ لُعْبَتُهُ، أَوْ يَقَعُ أَوْ يُصابُ يَدُهُ أَوْ رَقَبَتُهُ! ماذا يُزْعِجُنا؟ هَذا فِعْلٌ طَبِيعِيٌّ لِلأَطْفالِ، وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ بِلا وَعْيٍ! أَوْ حُبُّ الاسْتِطْلاعِ مُنْذُ البِدايَةِ لِلْبَحْثِ عَنْ أَشْياءَ لَمْ يَتَعَرَّفُوا عَلَيْها، وَبِذَلِكَ يَتَعَرَّفُونَ عَلَى شَيْءٍ جَدِيدٍ. هَذِهِ هِيَ النُّقْطَةُ!
يَجِبُ أَنْ نَقِفَ جَمِيعاً عَلَى ذَلِكَ. لِنَرَ أَنْفُسَنا فِي وَسَطِ التَّأَمُّلِ وَالإِضاءَةِ، حَتَّى نَصِلَ إِلى أَحْلامِ وُجُودِنا! أَخِيراً، يُمْكِنُنا أَنْ نَصِلَ إِلى تِلْكَ المُوَازَنَةِ الَّتِي تَجْعَلُنا نَقُولُ: "نَحْنُ مَوْجُودُونَ!"
---
تفسير النص:
· العدم: يرمز إلى حالة الخمول والاستسلام والغياب عن الوعي والإرادة الحرة.
· الوجود: يمثل حالة اليقظة، والتحرر، وتحقيق الذات والأحلام.
· الرقابة: ترمز إلى القيود الاجتماعية والنفسية التي تفرض على الفرد.
· الحجاب: يرمز إلى الحواجز النفسية والاجتماعية التي تمنع الفرد من تحقيق ذاته.
· السمكة (سامد): ترمز إلى الفرد الذي يسعى للتحرر والبحث عن معنى جديد للحياة.
ملاحظة: الغرض من هذه الكلمات هو :
سمكة / قصة السمكة السوداء الصغيرة.
صمد / صمدي بهرنجية ..
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات