-->
»نشرت فى : الجمعة، 13 فبراير 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

هل الحب صفقة أم صلاة _ صفاء بلهوان


 هل الحب صفقة أم صلاة

في عيد الحب تتزين المدن كما لو أنها تحاول إقناع نفسها بأن العالم ما زال بخير
تعلو الواجهات باللون الأحمر وتلمع الهدايا كأنها شهادات إثبات على أن القلوب لم تمت بعد
لكن شيئا في الداخل يهمس بسؤال صعب
هل نحتفل بالحب أم نحتفل بفكرته
هل نشتريه أم نستدعيه
هل هو شعور أم صفقة
هل هو حاجة أم حالة
يقول علم النفس إن الحب حاجة
وإن الإنسان لا ينجو من وحدته إلا حين يشعر بالانتماء
وقد وضع ابراهام ماسلو الحب ضمن حاجات النفس الكبرى كأنه خبز داخلي لا يكتمل الوعي بدونه
لكن الصوفية حين تحدثوا عن الحب لم يضعوه في خانة الحاجة
بل رفعوه إلى مرتبة النور
قالوا إن الحب ليس شيئا نبحث عنه لأننا ناقصون
بل هو شيء يستيقظ فينا حين نكتشف أننا منسوبون إلى المعنى
ولهذا قال ابن عربي ما معناه إن الحب لا علة له
وإنه بحر لا يسأل الداخل إليه عن السبب
وأقف بين هذين القولين فأشعر أن كليهما صادق
فالإنسان يبدأ محبا لأنه محتاج
ثم إن صدق في محبته ارتقى حتى يصبح الحب فيه فيضا لا استعطافا
كأن الحب يبدأ رغبة في النجاة
ثم ينتهي قدرة على الإحياء
غير أن الواقع لا يعرف الصفاء كثيرا
فالناس لا يحبون كملائكة
ولا يدخلون الزواج كأنهم حكماء
الناس يحملون طفولتهم معهم
يحملون نقصهم وخوفهم وارتباكهم
ولهذا لا يأتي الحب وحده في الحياة
يأتي ومعه الشهوة
ومعه الرغبة في السيطرة
ومعه الخوف من الفقد
ومعه الفكرة القديمة التي تعلمناها بصمت
أن الرجل يجب أن يكون سيد المشهد
وأن المرأة يجب أن تكون ضمانة الاستقرار
ولهذا سمعت عبارة ظلت ترن في رأسي كجرس ثقيل
امنحيه وهن السيادة يمنحك وهم الاستقرار
كأنها ليست جملة بل خريطة لبيوت كثيرة
امرأة تضعف كي لا تخسر
ورجل يتجبر كي لا يبدو ضعيفا
امرأة تتنازل عن صوتها لتربح سقفا
ورجل يتنازل عن إنسانيته ليربح لقب الرجولة
فهل يبنى بيت من هذا الوهن
نعم قد يبنى
لكنه بيت يشبه القلعة لا يشبه الوطن
بيت يقف أمام الناس شامخا
لكنه من الداخل ممتلئ بالفراغ
فراغ لا تملؤه هدية ولا خاتم ولا صورة عائلية
ويقولون أيضا إن الرجل يحب من تعرف كيف تدير شهواته
وأتساءل
أيعني هذا أن المرأة خلقت لتكون أداة ضبط لا شريكة حياة
وهل الحب في النهاية مجرد فن لإدارة الغريزة
لكنني أؤمن أن الرجل الذي لا يعرف كيف يدير نفسه لن تنقذه امرأة
بل سيستهلكها
والمرأة التي تجعل قيمتها في قدرتها على التحكم في رجل ستدفع الثمن من روحها حتى لو ربحت قلبه
في لحظة ما يصبح السؤال أكثر إيلاما
هل الحب استهلاك متبادل
هل نأخذ من بعضنا كما يأخذ السوق من الجيوب
هل تبيع المرأة كرامتها لتشتري الأمان باسم الزواج
ويبيع الرجل رقته ليشتري الهيبة بين الناس
فيصير كل طرف ضحية لما يسمى صورة محترمة
بينما الحقيقة أن الجميع خاسر
هنا أتذكر ما قاله اريك فروم
إن الحب ليس امتلاكا بل فعل
ليس شيئا نضعه في الجيب بل مهارة روحية تنضج فينا
ولهذا حين يتحول الحب إلى تملك يصبح خوفا
وحين يتحول الزواج إلى عقد إذلال يصبح سجنا
حتى لو كان السجن مفروشا بالحرير
وأتذكر أيضا قسوة نيتشه حين قال إن كثيرا مما يسمى حبا ليس إلا رغبة في الامتلاك
وربما كان محقا
لأن الإنسان حين يخاف أن يخسر يتحول إلى حارس لا إلى محب
وحين يخاف أن يكون عاديا يتخذ شريكا ليبدو عظيما
وحين يخاف الوحدة يتزوج كمن يشتري دواء للنوم
لكن الحب الذي أؤمن به لا يشبه هذا
الحب الذي أؤمن به لا يطلب من المرأة أن تنحني كي تستحق البقاء
ولا يطلب من الرجل أن يتحول إلى حجر كي يستحق الاحترام
لأن الرجولة التي لا تعيش إلا على كسر الآخر ليست رجولة بل هشاشة متخفية
والأنوثة التي لا تنجو إلا بالتنازل ليست أنوثة بل خوف متجمل
الحب الحقيقي ليس أن تذوب في الآخر حتى تختفي
ولا أن تمتلكه حتى يختنق
الحب الحقيقي أن تراه كما هو دون أن تنكر نفسك
أن تعترف به دون أن تمحو حدودك
أن تمنحه دون أن تصبح فقيرا
وأن يأخذ منك دون أن يصير لصا
الحب الحقيقي ليس اتفاقية استعباد طوعية
ليس عقدا يوقعه اثنان على حساب كرامتهما
الحب الحقيقي نور يعانق نور
لا قيد يعانق قيدا
هو أن يلتقي كائنان لا ليكملا نقصا بطريقة مؤلمة
بل ليشاركا وفرة بطريقة نبيلة
وقد يبدو هذا الكلام مثاليا
لكنني أراه الواقع الوحيد الذي يستحق أن يسمى حبا
وما عداه مجرد هدنة بين جوعين
أو تسوية بين خوفين
أو بيت كبير يسكنه اثنان لكن لا يسكنه السلام
في عيد الحب لا أريد أن أسأل كم وردة اشترينا
ولا كم خاتما لبسنا
بل كم مرة احترمنا إنسانية من نحب
كم مرة لم نبتزه باسم الغيرة
كم مرة لم نساومه باسم التضحية
كم مرة لم نطلب منه أن يدفع ثمن وجوده في حياتنا
لأن الحب لا يثبت نفسه بالهدايا
بل يثبت نفسه بالعدل
باللطف
بالاحترام
وبتلك الطمأنينة النادرة التي تشبه صلاة صامتة داخل القلب
فإن كان الحب حاجة فهو أقدس الحاجات
وإن كان حالة روحية فهو أعلى المقامات
وربما كان الاثنين معا
يبدأ من ضعف الإنسان
ثم يرتقي به حتى يصير قوة
يبدأ كنداء
ثم يصير نورا
وفي النهاية لا يبني البيوت وهن السيادة
بل يبنيها وعي الشراكة
ولا يصنع الاستقرار خوف المرأة ولا قسوة الرجل
بل تصنعه روحان تتعاهدان على ألا يتحولا إلى أعداء داخل بيت واحد
ذلك وحده الحب
وما عداه زينة عيد
وضجيج مؤقت
ومحاولة متعبة لإقناع القلب أنه بخير

بقلمي صفاء بلهوان

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015