مدينة الكلمات _ إلين زياد
ليست كبقية المدن، أبوابها مغلقة في وجه العابثين، ولا تنفتح إلا لمن أثقل الصمت قلبه، ولمن أنهكته الحروف التي لم تجد طريقها إلى لسانه.
هي مدينة لا تُرى بالعين، بل تُفتح حين يطرق الداخل عليها بأنين قلبه، فتتنفس الحروف وتُضيء الأزقة بسطورٍ لم تُكتب بعد.
دخلتُها… وما إن خطوت أولى خطواتي حتى ارتجفت الأرض تحت قدمي، وتراقصت الجدران بوشوشات منسوجة من المعاني.
وأول ما رأت عيني كلمةٌ كبيرة معلقة على بوابة من نور، كُتِب عليها: "كنت".
اقتربت منها، فوجدت عندها طفلة صغيرة، كانت تضحك كما لو أنها تمسك بخيط الشمس.
حدثتُها عن ضحكتها، عن صفائها، عن دهشتي منها، لكن فجأة شعرت أنني لا أخاطب غريبة…
كنت أنظر في ملامحها، فإذا بي أكتشف أنني أقف أمام نفسي، نفسي حين كنت طفلة…اقتربتُ من الطفلة، وقلت لها مبتسمة: "ضحكتكِ تشبه النور حين يتساقط فجراً".
لكنها صمتت لحظة، ثم مالت برأسها نحوي وقالت بصوتٍ يقطر عتاباً:
"لماذا تركتِ ضحكتكِ تضيع؟ كنتِ تملكينها كجوهرة، فلماذا أهديتِها للآخرين، واهتممتِ بأن تُسعِديهم بينما تركتِ قلبكِ جائعاً؟"
ارتجفتُ من كلماتها، شعرتُ كأنني أنظر في مرآة لا تكذب.
قلتُ بهمس: "كنتُ أظن أنني سأجد نفسي في ضحكاتهم، وأن صوتي لن يكون جميلاً إلا إذا سمعوه".
ابتسمت الطفلة ابتسامة حزينة، ثم همست:
"ضحكتكِ كانت لكِ أولاً، كان يجب أن تحفظيها لروحك، قبل أن تمنحيها للعابرين".ابتسمت الطفلة، نهضت من مكانها بخفة، وأمسكت بيدي كما لو كانت تعرف الطريق أكثر مني.
قادَتني بين أزقة مدينة الكلمات، حيث الجدران مكتوبة بأسرارٍ لم تُبح، والسماء تمطر حروفًا تتلألأ كنجوم.
ثم وقفت فجأة أمام نافذة صغيرة ينبعث منها ضوءٌ دافئ، وقالت:
"هنا تختبئ ضحكتكِ، ما زالت تنتظركِ منذ رحلتِ عنها. لم تمت، لكنها خبأت نفسها لأنكِ انشغلتِ بضحكات الآخرين، وظننتِ أن سعادتكِ تُصنع هناك. إن أردتِ استعادتها، عليكِ أن تتذكري أوّل مرة ضحكتِ حقًا من قلبك، حين كنتِ أنا."
شعرتُ بدمعة تسقط من عيني، كأنها تُزيح غبار السنين.
وضعت الطفلة يدها على قلبي، وقالت:
"الضحكة لا تُسترد من وجوه الناس، بل من داخلكِ. حين تصالحي نفسك، حين تسمحي لقلبك أن يفرح ولو بلا سبب، ستعود الضحكة إليكِ. افتحي الباب واسمعي صوتكِ من جديد."
ثم اختفت الطفلة فجأة، وبقيت أنا أمام النافذة، أسمع ضحكتي القديمة تتردّد في أرجاء المدينة، كأنها تدعوني لأدخل..
إلين زياد




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات