في عمق الحياة بعد النجاة _ أ. هناء الشبراوي
في عمق الحياة بعد النجاة
في سن الأربعين
قال تعالى:
> ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾
[الأحقاف: 15]
خلق الله الإنسان من مزيجٍ من روحٍ وطين؛ من السماء والأرض معًا،
فكان في داخله صراعٌ أبديّ بين النوازع الأرضية التي تشدّه نحو الشهوات والماديات،
وبين النوازع السماوية التي ترفعه نحو الطهر والنقاء والصفاء الروحي.
يستمر هذا الصراع قائمًا ما دام الإنسان في مراحل العمر الأولى،
حتى إذا بلغ الأربعين، بدأ الميزان يميل ببطء نحو السماء.
في هذا العمر، تبدأ علامات التقدّم في السن بالظهور؛
شعرةٌ بيضاء، ألمٌ في المفاصل، نظَرٌ يخفت بعض الشيء…
لكن في المقابل، تزداد البصيرة صفاءً وعمقًا،
كأن الله يهيّئ الجسد للتراجع كي تشرق الروح بوعيٍ جديد.
إن سن الأربعين ليس مجرّد رقمٍ في سجلّ الأعمار،
بل هو عتبة النضج والوعي،
المرحلة التي يودّع فيها الإنسان اندفاع الشباب
ليستقبل سكينة النضج وحكمة التجربة.
ولذلك، لم يكن عبثًا أن تبدأ أعظم رسالة عرفتها البشرية عند الأربعين؛
فقد اصطفى الله نبيَّه محمّدًا ﷺ بالوحي في هذا العمر،
ليكون شاهدًا على أن الأربعين هي مرحلة الرسالة والمسؤولية،
حيث تكتمل الرؤية ويستقرّ الميزان بين الدنيا والآخرة.
قد يقول قائل: إن العمر لا قيمة له، فهو مجرّد رقم.
نعم، هناك عقولٌ فذّة تجاوزت عمرها الزمني،
كما وَلّى النبي ﷺ أسامة بن زيد قيادة الجيش وهو في مقتبل العمر،
لكنّ هذه تبقى استثناءات نادرة.
انظر إلى نفسك، وتأمل مراحل عمرك:
كم نضجت رؤيتك، واتسعت بصيرتك، وازددت قربًا من الله مع بلوغك الأربعين؟
قراراتك أصبحت أعمق، أحكم، وأكثر اتزانًا،
فقد وُلدت من رحم الخبرة والتجربة والإيمان.
في هذا العمر، تتبدّل النظرة إلى الحياة؛
فتغدو القيم والأخلاق أثمن من المكاسب المادية،
ويملأ الرضا والإيمان قلبك حتى يفيض قربًا من الديّان.
إنها مرحلة الهيبة والوقار،
مرحلة الوعي الذي يُدرك أن ما مضى كان تمهيدًا لما هو أعظم.
وأنتم،
هل بلغتم سن الأربعين؟
وإن بلغتموها... فما أثرها في مجرى حياتكم؟
بقلم أ هناء الشبراوي فلسطين




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات