كافور من العبودية الي الحكم _ /محمد مصطفى كامل
كافور من العبودية الي الحكم.
رجل تخطي الواقع .
بقلم/محمد مصطفى كامل
وبين العبودية والعرش.
كافور الإخشيدي… حين يصعد “الظل” إلى العرش
ليس كل من جلس على العرش وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب،
بعضهم وُلد وفي يده قيد… ثم كسر القيد وصنع تاجه بنفسه.
كافور الإخشيدي ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، ولا حاكمًا عابرًا على صفحات العصر العباسي، بل هو قصة صعود استثنائية، تكاد تكون درسًا حيًا في معنى الإرادة والدهاء السياسي.
من سوق العبيد إلى دهاليز الحكم
وُلد كافور عبدًا أسود في بلاد النوبة، بيع في أسواق الرقيق، وتنقل بين الأيدي حتى اشتراه محمد بن طغج الإخشيد، حاكم مصر.
لكن الرجل لم يكن عبدًا بعقله، ولا صغيرًا بطموحه.
أدرك الإخشيد مبكرًا أن هذا الغلام يحمل ما هو أثمن من الذهب:
ذكاء فطري، حنكة في الإدارة، وبصيرة سياسية نادرة.
فلم يمضِ وقت طويل حتى صار كافور قائدًا عسكريًا، ثم وصيًا على أبناء الإخشيد بعد وفاته، ثم الحاكم الفعلي لمصر والشام والحجاز.
تأمل المفارقة:
الرجل الذي بيع يومًا بدرهم، صار يتحكم في خزائن دولة.
الحاكم الذي حكم دون أن يعلن نفسه ملكًا
كافور لم يكن صاحب شعارات ضخمة، ولم يُعرف عنه التوسع المتهور.
حكمه كان قائمًا على التوازن:
يرضي الخليفة العباسي اسميًا
يضبط طموحات الفاطميين
يؤمّن حدود الشام
ويحافظ على استقرار مصر اقتصاديًا
في زمن كانت الدول تسقط بالسيف، حافظ هو على دولته بالعقل.
لم يكن فارسًا أسطوريًا كصلاح الدين، ولا فاتحًا كعمرو بن العاص، لكنه كان رجل إدارة من الطراز النادر.
حافظ على الدولة الإخشيدية نحو عقدين بعد وفاة مؤسسها، في زمن كان الانهيار فيه أسهل من البقاء.
كافور… والمتنبي: معركة الكلمات
ربما لم يُحارب كافور بالسيوف كما حورب بالكلمات.
المتنبي، أعظم شعراء العربية، جاء إلى مصر طامعًا في ولاية أو منصب.
مدح كافور مدائح عظيمة، ثم لما خاب أمله، هجاه هجاءً لاذعًا، فصارت صورة كافور في أذهان كثيرين مشوهة بمرآة شاعر غاضب.
لكن السؤال الذي لا يُطرح كثيرًا:
هل نصدق شاعرًا جريحًا أكثر مما نصدق وقائع التاريخ؟
المتنبي كان عبقريًا في الشعر… لكنه لم يكن مؤرخًا محايدًا.
وكافور، رغم كل ما قيل عنه، حكم دولة مترامية الأطراف، وأدارها بذكاء نادر.
فمن الأصدق؟
قصيدة هجاء… أم دولة استمرت؟
عقدة اللون والسلطة
كافور كان أسود اللون، خصيًا، عبدًا سابقًا.
ثلاث صفات كانت كفيلة في ذلك العصر أن تجعله هامشًا في المجتمع.
لكنه جعلها درجات للصعود.
في زمنٍ كان اللون والعرق معيارًا للقيمة، جلس هو على عرش مصر.
لم يكن صعوده سياسيًا فقط، بل كان صفعة مبكرة لفكرة التفوق العرقي.
ربما لهذا السبب كان الهجوم عليه قاسيًا…
فصعود المختلف يُربك المجتمع أكثر من سقوطه.
النهاية… وبداية النسيان
توفي كافور سنة 357هـ، وبعده بسنوات قليلة سقطت الدولة الإخشيدية على يد الفاطميين.
كأن الرجل كان العمود الأخير الذي يمنع الانهيار.
ورغم كل ذلك، بقي اسمه في الذاكرة مقترنًا بهجاء المتنبي، أكثر من اقترانه بحنكته السياسية.
وهنا تكمن المأساة:
أحيانًا يكتب الشعراء التاريخ… فيُظلم الحكام.
كافور ليس مجرد حاكم
هو سؤال مفتوح:
هل الإنسان يُقاس بأصله… أم بما يصنعه من نفسه؟
هو نموذج لمن بدأ من القاع، ولم يحمل حقدًا، بل حمل مشروع دولة.
ولمن كان يستطيع أن ينتقم من المجتمع… فاختار أن يحكمه.
ربما لم يكن مثاليًا، وربما أخطأ، لكنه بلا شك كان استثناءً في زمنٍ لا يرحم.
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات