قيم رمضانية _ أ.د عصام محمد عبد القادر
قيم رمضانية
بقلم
أ.د/ عصام محمد عبد القادر
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر
أعتقد أنه يمكن صياغة ملامح برنامج تربوي رمضاني، يقوم على فلسفة تعزيز القيم في النفوس، وأرى أن الجميع شريك أصيل في رسم سيناريو التخطيط، والتنفيذ، وهنا تصبح نقاط التلاقي مفعمة بالعزيمة، والإرادة؛ فلا تخبو الهمة، ولا تضعف النوايا؛ ومن ثم تتحول أيام هذا الشهر الكريم إلى تدريبات عملية، تمثل أنشطة تفاعلية، نكتسب منها خبرات، تتضمنها قيم نبيلة، تكمن في ممارسات عديدة، تحمل في طياتها ملامح الخير الوفير.
قيمة الإخلاص في المقصد تعد في قمة الأولويات؛ إذ تفتح باب توجه القلوب إلى الله- تعالى- وحده، لا شريك له، وتغلق أبوابًا تفوح منها رائحة الرياء، وشوائبه، وطلب المحمدة، وتجعل الباعث؛ ابتغاء الثناء من الناس، واستجلاب رضاهم؛ لذا فقد باتت صدق النية، وصفاء السريرة، والقصد درب أصيل؛ للتقرب إلى خالق السماء بلا عمد؛ فما أخزى! من عمل نوجهه إلى التفات القلب لغير الله -جل وعلا-، وما أجمل! وأرقى، وأثمن من فعل نبتغي به الإخلاص؛ فهذا دون مواربة سر القبول، عبر بوابة التجرد.
تحولنا من ظاهر الطاعة إلى باطن الانضباط، تؤكدها قيم رمضانية، راقية، سامية في اتصاف ممارساتها؛ عندئذٍ نوقن حالة الصدق، التي تنبري على تجديد العهد؛ كي ننال الوعد، وندرك أن الثبات ليس مرهونا بأيام معدودات؛ لكن تتصالح السرائر على الإتقان في العمل، وتقديم كل ما يعود بالنفع على البشرية، والتخلص من عادات، هدرنا فيها الجهد، والوقت، دون جدوى، أو ثمرة، وأرى أن جسر العودة، يعتمد على مُسلّمة التمرين، والتدريب على الطاعات، والأذكار.
ممارسة القيم الرمضانية مفتاح قربنا من رضا الله- تعالى-؛ فحينما نعتاد على طيف الطاعة؛ فإن المسافة بيننا، وبين المعصية تتباعد، وصدق هجرها تنعقد عليه النية؛ لذا فلا ننكر فضل التربية على البرّ، من خلال الانغماس في أنشطته، سواءً أكانت في صورة منتظمة، أم متقطعة، وهذا يخلق مناخًا إيجابيًا في وجدانيات الصغير، والكبير، ويؤدي على المسارعة في فعل الخيرات بكافة صورها، ناهيك عن الشبكة الاجتماعية المتماسكة، التي تبدو واضحة في أيام شهر الكرم.
رمضان القيم يفتح الفرصة لعودة القلوب بصدق الافتقار إلى رب السماوات، والأرض؛ فتلك قيمة الإنابة المخلصة من عثرة الذنب إلى طاعات تمحوه، وتقويض للهوى، عبر عادة الذكر، والمناجاة، ويعد هذا منهجٌ حياتيٌّ، قويم، يسهم في تعزيز الشعور بحلاوة الإيمان، ويدفعنا نحو بوابة التوبة النصوح؛ ومن ثم نتحول من حالة تجنب العقوبة إلى محبة القرب من الله -تعالى- في خضم عملٍ متفانٍ، ونية سليمة، وضمير يقظٍ، يوجه، ويحذّر، ويحاسب.
قيمة الإحساس بالغير تعضدها ممارسات رمضانية في أيام النفحات؛ حيث نرصد كثرة العطاء الجابر للخواطر؛ فهو تدريب على الصفاء، والسخاء، ومعزّز لمعاني الرحمة، والمحبة، بعيدًا عن طلب الشكر، أو الثناء، أو التقدير؛ لذا يعد الإنفاق بطيب نفس من القيم، التي تساعد في تحقيق فلسفة الاندماج الاجتماعي؛ ومن ثم نحصد ثمرة التماسك، وقوة النسيج، ونكون بذلك قد ساهمنا في توجيه البوصلة نحو صور النفع، باقية الأثر لدى المجتمع قاطبة؛ فما أجمل! من دعوات صادقة، وسرور، يعلي الهامة، جراء إحسان يتلقاه إنسان؛ فيخرج من بوابة العوز إلى واحة الاكتفاء؛ فتقر عينه، ويصبح راضيًا.
جمال العقيدة نراه في رخص، قد أباحت الإفطار لمن يستحقها؛ لكن جعلته شريكًا في قيم الشهر الفضيل؛ فصار الأجر محفوظًا بصدق نوايا، وتقديم ما يبرهن على ما في القلوب من خير، يؤكد على أن فلسفة اليسر، جاءت؛ لتدحض ماهية التشدد، وأن المشقة المهلكة، ليس لها مكان في دين الرحمة؛ فاللَّهُمَّ يا من جعلت رمضان دربًا؛ لتزكية قلوبنا، وتهذيب نفوسنا، ارزقنا فيه صدق الإخلاص، والإنابة، وحب الطاعة، وسَعة العطاء، حتى نلقاك بقلوبٍ سليمةٍ.
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات