-->
»نشرت فى : السبت، 21 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الأم… _ عباس عبدالرزاق


 الأم… سيرة الخبز والحنين

من مخبز (نازە نانەوا) في زمن الاغتراب
عباس عبدالرزاق
ليست كلُّ الحكايات تبدأ من المدن، ولا من الكتب، ولا حتى من المدارس. بعضُها يبدأ من مكانٍ أكثر تواضعًا… وأكثر قداسة من مخبز نازە الخبازة، حيث كانت أمّي تسهر لياليها الطويلة، تعجن تعبها بيديها، وتُشعل في العتمة نارًا لا تطهو الخبز فقط، بل تصنع إنسانًا.
في ذلك المخبز، لم تكن الأرغفة مجرّد طعام، بل كانت رسائل حبٍّ يومية، مكتوبة بالدقيق والعرق. كانت أمّي تعمل بصمت، وكأنها تُدير طقسًا كونيًا خفيًا، تُقاوم به قسوة الحياة، وتُفاوض به الفقر، وتُعيد تعريف الكرامة بعيدًا عن كل الشعارات.
لم أفهم حينها أن ذلك التعب كان استثمارًا طويل الأمد في روحي. لم أدرك أن كلَّ ليلةٍ سهرتها، وكلَّ جرحٍ أخفته خلف ابتسامة، كان يُمهّد الطريق لرجلٍ لم يكن قد وُلد بعد. كنت أظن أن الخبز هو ما يُقدَّم على المائدة… ولم أكن أعلم أنني أنا، في الحقيقة، كنتُ الخبز.
كبرتُ… أو هكذا ظننت. غادرتُ الأماكن الأولى، محلة المزرعة، وسافرتُ بعيدًا، كما يفعل كثيرون، باحثًا عن معنى أوسع للحياة. تعرّفت إلى مدنٍ وقُرى وجبال لا تنام، وإلى وجوهٍ كثيرة في القُرى والنضال، وإلى حضاراتٍ تُتقن كلَّ شيء… إلا الحنان. رأيتُ الحروب وتشرُّد أطفال كلِّ طیور المهاجرة، والعالم وهو يُدار بعقلٍ بارد، واكتشفتُ أن الحياة لا تعني دائمًا الطمأنينة، وأن الامتلاء والأمان قد يُخفيان فراغًا روحيًا هائلًا.
وهناك… حين أخذني البُعد أكثر مما ينبغي، شعرتُ أنني لم أبتعد عن المكان فقط، بل عن نفسي. كأن الغربة كانت تُبخِّرني ببطء، تُخفِّف ملامحي، وتُذيب يقيني، حتى بتُّ أبحث عني في وجوه الآخرين.
وفي لحظةٍ من تلك المسافات، كنتُ في مدينة سُمَّ نساؤها وأطفالها بالألف، وبعدها الهجرة جماعيَّة والأنفال ومقابر جماعيَّة، وفي تلك المسافات أصبحت غريبًا بين الأقوام، غريبًا بين لغاتٍ لا تُشبهني، وطرقاتٍ لا تحفظ خطاي.
حينها، تذكّرتُ وصيّة أمّي.
قالت لي يومًا، وهي تضع الخبز في يدي:
"كن غيورًا… لا على نفسك فقط، بل على ما يمثّلك."
لم أفهمها كاملًا في حينها.
لكنني، هناك، بين الريح والبرد، أدركتُ أن الغيرة التي كانت تقصدها ليست تعصُّبًا، بل وفاء… وفاءٌ لما نحمله في داخلنا من وطن. تذكّرتُ رفاقي في الجبال،
أولئك الذين لم تكن الحياة معهم سهلة، لكنها كانت حقيقية. تذكّرتُ كيف كنّا نقف كتفًا إلى كتف، لا نملك الكثير، لكننا نملك بعضنا. وهناك، وسط ذلك الحنين، شعرتُ أنني مدينٌ لتلك الوصيّة… أن أكون وفيًّا، صلبًا، لا أتلاشى في الزحام. في المدن البعيدة، تعلّمتُ الكثير، مثل الحنين والشوق إلى لقمة خبز من مخبزنا، لكنني لم أجد امرأةً تجمع فوضاي كما كانت تفعل، ولا حضنًا يُعيد ترتيب العالم ويمنع سبيه والإرهاب من حولي. كلُّ شيءٍ كان متاحًا… إلا ذلك الإحساس البسيط بأن هناك من ينتظرني بلا شروط.
وحدها أمّي كانت تفعل ذلك.
واليوم، وأنا أقف في منتصف المسافة بين ما كنتُ عليه وما صرتُ إليه، أكتشف مفارقةً لا تخلو من ألم: لقد أصبحتُ أبًا… لكن شيئًا في داخلي لم يكبر بعد. لا يزال ذلك الطفل الذي كان ينتظر عند باب المخبز، متربصًا ويتشمَّم رائحة الخبز، ويبحث عن وجه أمّه بين دهاليز الزمن.
أفهم الآن أن النضج ليس عمرًا يُقاس بالسنين، بل هو قدرةٌ على الغوص في دهاليز الحياة، بمن حملوا عنا ثقل البداية، ومهّدوا لنا الطريق دون أن يطلبوا مقابلًا.
إلى أمّي…
إلى تلك المرأة التي سهرت في مخبزها ليالي طويلة كي تُطعمني، وكافحت بصمتٍ كي أصبح ما أنا عليه اليوم. لم أكن أعرف أن كلَّ ما فيّ منكِ…
حتى حين حاولتُ أن أبتعد، بقيتُ أعود إليكِ… بطريقةٍ أو بأخرى. وفي ذكرياتي محلة المزرعة وكوجباغاتها وأهلنا الطيبون وخانقین في جلبابة وطرحة رأس أمي.
يا أمي.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015