نفحات العشر _ أنغام الهادي
*نفحات العشر*
تطلّ العشر الأوائل من ذي الحجّة كأبوابٍ تُفتح على السماء، فتهدأ ضوضاء الروح وتستقيم القلوب المتعبة على عتبتها. هي أيامٌ لا تُقاس بالساعات، بل بما تتركه في النفس من أثرٍ لا يمحوه زحام.
فيها يعود الذاكر إلى نفسه بصدق، ويخلع ما أثقله من شتاتٍ ليُقبل بقلبٍ خفيف. فالذكر فيها ليس ترديدًا، بل يقظةً متكررة لمعنى العبودية لله الكريم الذي لا يضيع عنده سعيٌ ولا يُهمل دمعٌ خفي.
والعمل الصالح فيها يتسع لكل شيء؛ ابتسامةٍ صادقة، وكفٍّ تمتد بلا انتظار، ولحظة صبرٍ تختار فيها السلام. فلا تستصغر ما تقدّم، فالميزان هناك أدقّ من أن يغفل عن مثقال ذرة.
وإذا بلغت القلوب يوم عرفة، وقفت على شرفةٍ ترى عمرها من بعيد. يومٌ تُجاب فيه الدعوات، وتُغسل الصحائف. ليس لك فيه إلا أن ترفع يديك بفقرك وتقول: إليك أعود، وبك أستعين.
فإذا أقبل العيد، كان فرحًا بالعبور من ضيق العادة إلى سعة الفهم، ومن قسوة النفس إلى رفقٍ يليق بمن خلقه الله في أحسن تقويم. والأضحية رمزٌ لما ينبغي أن يُذبح في الداخل: هوىً متسلّط، وحسدٌ كامن، وتعلّقٌ بغير الله.
هكذا تمرّ العشر، فتترك سكينةً لا تُشترى ويقينًا بأن القرب ممكن، وأن البدء لا يتأخر ما دام في العمر نَفَس. فاغتنمها، فإنها لا تعود كما هي.
*أنغام الهادي، كاتبة مصرية في الشعر والنثر*




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات