صرير الأقلام _ ياسر تركي
صرير الأقلام
عبدالله السريع.. حين تحوّل العمل الدبلوماسي في السودان إلى سيرة وفاء بين شعبين
يُعدّ عبدالله السريع واحدًا من النماذج العربية النادرة التي جمعت بين صرامة العمل الدبلوماسي ورهافة الحس الإبداعي، حيث تماهت تجربته المهنية مع وجدانه الإنساني لتنتج نصًا ثريًا تتداخل فيه المسؤولية الرسمية مع الحس الثقافي العميق، فتغدو سيرته لوحةً متعددة الأبعاد، نابضة بالحياة ومشحونة بالدلالات.
وُلد السريع عام 1934م في منطقة الصالحية بالعاصمة الكويتية، ونشأ في بيئة كانت تشهد إرهاصات التحوّل المؤسسي للدولة، ما أتاح له الانخراط المبكر في العمل العام. وقد تنقّل خلال مسيرته بين مواقع حكومية وإدارية متعددة، راكم خلالها خبرات نوعية صقلت رؤيته المهنية والإنسانية ومكنته من المزاوجة بين الإدارة والإنسان، بين القرار والإحساس.
استهل مسيرته الرسمية بالالتحاق بوزارة التخطيط عام 1974م، حيث أسهم في ملفات تنموية هامة، قبل أن يخوض تجربة محورية حين تولّى إدارة مكتب دولة الكويت في جنوب السودان، مشرفًا على تنفيذ مشاريع حيوية لامست احتياجات الناس، وأتاحت له الاطلاع المباشر على الواقع المحلي وفهم تفاصيل المجتمع السوداني. وقد شكّلت هذه المرحلة الميدانية ركيزة مركزية في وعيه، بعيدًا عن القراءات النظرية أو البروتوكولات الرسمية.
وفي عام 1988م، عُيّن نائبًا لسفير دولة الكويت في السودان ضمن مسيرته بوزارة الخارجية، فواصل حضوره المؤثر في تعزيز العلاقات الثنائية، مستندًا إلى خبراته الميدانية وصلاته المباشرة بالمجتمع المحلي. ولم يكن حضوره دبلوماسيًا تقليديًا، بل جاء مشفوعًا بقدرة نادرة على الاقتراب من الناس، وفهم نبضهم، والتفاعل مع تفاصيل حياتهم اليومية.
وعلى الصعيد العلمي، نال السريع دكتوراه فخرية في الآداب تقديرًا لإسهاماته الثقافية والفكرية، التي تجاوزت حدود الكتابة لتشمل المسرح والصحافة، حيث ظل قلمه حاضرًا في معالجة القضايا الاجتماعية برؤية نقدية ووعي إنساني.
أما في الحقل الأدبي، فقد ترك بصمة واضحة من خلال أعمال متنوعة، من أبرزها كتاب «سنوات في جنوب السودان» الصادر عام 1986م، الذي وثّق فيه تجربته المبكرة برؤية تمزج بين الحس الإنساني والبُعد التنموي. كما كتب عددًا من المسرحيات التي تراوحت بين الفصل الواحد والثلاثة فصول، وعُرضت أعماله في السودان وبعض الدول العربية ، ما يعكس حضوره الفاعل في المشهد المسرحي العربي. ولم تتوقف إبداعاته عند هذا الحد، إذ أصدر ديوانًا شعريًا بعنوان «وميض الخاطر»، إلى جانب كتابة سيناريوهات وأعمال سردية متعددة، فضلًا عن إسهاماته الصحفية التي تناولت قضايا المجتمع بتوازن بين النقد والوفاء.
غير أن كتابه «كنتُ سفيرًا في السودان» يظلّ ذروة هذا المسار، إذ لا يقدّم مجرد مذكرات دبلوماسية تقليدية، بل شهادة مركّبة على مرحلة مفصلية من تاريخ السودان الحديث. يكتب السريع هنا من موقع المعايشة لا المراقبة، ومن زاوية الانتماء الوجداني لا الحياد البارد، مستندًا إلى سنوات طويلة من الاحتكاك المباشر بالمجتمع، خاصة في جنوب السودان، قبل انتقاله إلى الخرطوم.
منذ الصفحات الأولى، يتبدّى صوت مشبع بالحنين، إذ لا يستعيد الكاتب السودان كأرض عمل مؤقتة، بل كوطن ثانٍ تشكّلت فيه ذاكرته الإنسانية. يصف لحظة المغادرة بوصفها فراقًا موجعًا، ويستحضر تفاصيل الحياة اليومية التي صنعت علاقته العميقة بالسودانيين: من المائدة الشعبية إلى المجالس المفتوحة، ومن الزيارات العفوية إلى الصداقات التي تجاوزت حدود البروتوكول. وهنا يتحوّل السرد إلى مساحة للوفاء، تُستعاد فيها اللحظات الصغيرة بوصفها جوهر التجربة.
وتتجلّى أهمية الكتاب في توثيقه لتحولات سياسية كبرى، إذ يعبر بالقارئ بين عهود متباينة: من مرحلة الرئيس جعفر نميري، إلى الفترات الانتقالية، مرورًا بحكومات الأحزاب، وصولًا إلى انقلاب يونيو. غير أن السريع لا يقدّم سردًا سياسيًا جافًا، بل يرسم لوحة متداخلة تتقاطع فيها الدولة مع المجتمع، بين التبدلات في السلطة ونبض الشارع، وبين ما تفرضه السياسة وما يتيحه المجتمع من دفء وعلاقات إنسانية.
أحد أبرز خيوط الكتاب هو علاقته المبكرة بجنوب السودان، حيث أمضى سنوات في جوبا مشرفًا على مشاريع كويتية تنموية، قبل انتقاله إلى الخرطوم سفيرًا. ويشير السريع إلى أن حضوره لم يكن حضورًا بروتوكوليًا فحسب، بل امتدادًا لعمل ميداني جعل معرفته بالمجتمع السوداني دقيقة وعميقة، منسجمة مع احتياجات الناس وتطلعاتهم. وهذه الخلفية تمنح الكتاب خصوصية، إذ يقدم تجربة دبلوماسية بدأت من الميدان، قبل أن تصل إلى صالونات السياسة.
ولا يكتفي المؤلف بتسجيل التحولات الكبرى، بل يمنح القارئ أكثر ما يميّز الأدب التوثيقي الجيد: التفاصيل الصغيرة التي تكشف روح المجتمع. فهو يروي مواقف لأطباء سودانيين عالجوه وعالجوا أسرته بلا مقابل، ويستعيد قصة الجزار الذي منح السريع ما أراد شراءه رغم محدودية دخله، ومبادرات عديدة من بسطاء قدموا الدعم له وللسفارة الكويتية في أحلك الظروف. هذه الوقائع لا تقتصر على الطرائف، بل تؤكد أن العلاقات بين الشعوب تُبنى في الحياة اليومية قبل أن تُصاغ في القصور الرئاسية ووزارات الخارجية.
وتتجلى القيمة السياسية للكتاب بشكل أكبر عند استعراضه لأزمة الغزو العراقي للكويت، حيث يبرز التباين بين الموقف الرسمي السوداني المائل إلى بغداد، وبين التعاطف الشعبي الواسع الذي لمسَه السريع شخصيًا من خلال الوجوه والمبادرات واستقبال الوفود الكويتية. هذا التباين يمنح الكتاب بعدًا تحليليًا مهمًا، إذ يرفض اختزال الدول في حكوماتها، ويؤكد أن الوجدان الشعبي قد يسلك مسارًا مختلفًا عن المواقف الرسمية.
كما يبرز الكتاب حجم الحضور الكويتي في مجالات التنمية، سواء عبر المشروعات الزراعية والطرق والري والكهرباء، أو عبر الدعم الاجتماعي والتنموي، غير أن السرد لا ينحاز للدفاع عن الكويت بقدر ما يوثّق تاريخًا متشابكًا، حيث تتلاقى المصالح الرسمية مع الامتنان الشعبي، لتصبح التنمية لغةً موازية للدبلوماسية.
في النهاية، يقدم «كنتُ سفيرًا في السودان» تصورًا مختلفًا عن معنى السفير نفسه، فهو لا يقتصر على نقل الرسائل بين الحكومات، بل يظهر كشاهِد على المجتمع، ووسيط بين الثقافة والسياسة، وحامل ذاكرة شخصية تختلط فيها مرارة الأزمات بامتنان التجربة الإنسانية. وهكذا، تتجاوز المذكرات حدود التوثيق الدبلوماسي لتصبح نصًا إنسانيًا يروي كيف يمكن للعلاقات بين الشعوب أن تصمد وتتجاوز تقلبات السياسة.
ياسر تركي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات