-->
»نشرت فى : الأحد، 17 مايو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مفترق الروح: بين النجاة والذوبان _ د.راوية عبدالله


 

"مفترق الروح: بين النجاة والذوبان"

إيّاك أن تُساوم على ما يُقيمك؛ فالتنازل لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل كظلٍّ يعرف ثغرات الضوء، ثم يتّسع حتى يُطفئه. ليس حدثًا، بل انزلاقٌ هادئ نحو ما لا يُرى… يبدأ بإيماءة نحو “لا بأس”، وينتهي بانمحاء الاسم.
إنه كالماء إذا وجد شقًا في جدار الروح؛ لا يطرق، بل ينساب بصمتٍ مُتقن، حتى يبدو الصلبُ كأنه لم يكن.
وما أكثر ما يبيع الإنسان نفسه لنفسه، حين يظنّ أنه يعبر بنصفه، بينما هو يتناقص في الخفاء… حتى تصير ملامحه احتمالًا لا يقينًا.
التنازل لا يأتي بوجه الهزيمة، بل بوجه الحكمة. يتخفّى بالمرونة، ويتحدث بلغة العقل، ويهمس: خطوة… ولن تغيّرك.
لكن ما لا يُقال، أن التغيّر ليس فعلًا… بل انزياحٌ في تعريفك لك.
الأرواح لا تنكسر؛ تُستنزف. كما يُستنزف الصخر تحت قطرة لا تُرى، لكنها تُمحِي.
إن أول تنازل لا يختبر نجاتك، بل يختبر ما تبقّى من النسخة الأولى منك. فإن خنتها، لم تعد الخيانة حدثًا، بل مسارًا بلا وعي. وحينها لا يعود الضمير يصرخ… بل يتبخر صوته في التكرار.
وهكذا تبدأ النهايات: لا بسقوطٍ يُسمع، بل بتآكلٍ يُتجاهل؛ حين يصبح ما كنت ترفضه احتمالًا، وما كنت تخشاه تأجيلًا، وما كنت تُقسم عليه قابلًا للمحو.
ثم تمضي، وتظنّ أنك في الطريق، بينما الطريق يعيد كتابتك من الداخل. وحين تلتفت، لا تجد ما فقدته… بل تجد ما صرت إليه.
وحين يستقرّ التبدّل، لا يعود السؤال: متى تغيّرت؟
بل: من بقي فيك ليشهدك وأنت تتبدّل؟
وإن استسلمت، فلا تبحث عن نجاةٍ في أرضٍ سلّمتَها مسبقًا. فالنجاة لا تسكن قلبًا أطفأ إرادته. المستسلم لا يغرق لعجزه، بل لأنه سمّى انطفاءه طمأنينة.
وإن أسرفت، خرجت من جهة التوازن إلى فراغٍ بلا جهة. فالإفراط ليس كثرة الفعل، بل غياب اليد التي كانت تُعيدك إلى حدّك.
الحكمة ليست في العطاء المطلق ولا المنع المطلق، بل في إدراك اللحظة التي يتحوّل فيها كلّ منهما إلى فقد. فليس كل انحناء نجاة، ولا كل ثبات حكمة؛ بعض الانحناء إصغاءٌ للعاصفة، وبعضه ذوبانٌ فيها.
فاثبت حيث يجب أن تكون أنت، ولِنْ حيث لا يُكسر جوهرك.
لكن إيّاك أن تجعل من التنازل مقامًا؛ فالمقامات تُعيد تشكيل أصحابها.
فالذين ألفوا الطين، لا يعودون يرون اليابسة إلا غرابة.
والذين طال مقامهم في المستنقع، ينسون أن السقوط لم يكن مكانًا… بل اختيارًا تكرّر حتى صار قدرًا.
وهكذا… لا تكون النهاية سقوطًا، بل غيابًا بطيئًا عن نفسك.
د.راوية عبدالله

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015