يقظة الغياب _ الشّاعرة كوثر غانم
يقظة الغياب
ما بين زخات المطر كان اللّقاء تلاقت الأرواح الظمآنة ، وباركت الأرض خطانا فكان عزف جميل يشدو حلاوة اللّقاء .. ارتميت في أحضانك دون مقدّمات كنورس أرهقته أمواج البحر ليسكن في عشه الدّافئ .. ضممتك بقوة وكأنّني أنفض غبار الغياب عنك .. شعرت بأنفاسك المضطربة تهدأ شيئا فشيئا وابتسامتك تتلاشى على مهل لتتحوّل كإيقاع منتظم يداعب حضني .
بين القطرة والأخرى ... تلاشت أحلامنا ولكن ما بين ذاك اللّقاء وهذا الرّحيل .. كانت الذكريات التي تأبى أن تموت .. تتسلّل من أصابعنا المتشابكة كلّما هبّت الرّياح .. حينها لم أكن بحاجة إلى الكلمات .. بل كان الصّمت يفيض من أنفاسي .. مرّت السّاعات وكأنّ الزّمن توقّف بالمقهى .. ليسمع همسات نبضين يلتقيان .. ولكن لم يكن مثل كلّ لقاء .. فالمكان نفسه والزّمان نفسه والأسماء نفسها ولكن هناك شيء تغيّر .. مرّ اللّقاء وقد اعتصم في حنجرتي صمت خانق ضاق به صدري حتى كدت أنسى طريق العودة إلى بيتي .. تحت وطأة المطر وعزيف الرّياح في تلك الغرفة الصغيرة استلقيت على تلك الأريكة بخطوات متعبة التفتّ إلى أعماق نفسي أسألها بنبرة حزينة "أمن تباريح الجوى سهدت يا نفس، أم أنّ خطى الأماني تعثّرت فمضت تائهة في غياهب النّسيان".
وخلف غيوم الألم كانت ثرثرة قلمي كصرخة صامتة لعمر عشناه بين الشجن ولذة الحياة ليرسم في محراب الحروف قصيدة تقرأ ولحنا يعزف في تلك اللّحظات ولد من رحم المعاناة أمل متجدّد كوردة بريةٌ هزمتْ وقارَ الحجر، وارتقتْ لتعانقَ المدى حينها استسلمت حروفي لذاك القلم، تنحت تراتيل اشتياق تتهادى في زوايا المكانِ المظلم تراقص عتمة السّكون وتفرض رداءها الثقيل. يرنّ جرس ذاك الهاتف الأخرس ليعيد النّبض إلى تفاصيل عزلتي امتدّت يدي المرتعشة نحوه وكان وميض شاشته يغازل خصلات العتمة. وباتت أنفاسي المضطربة على عتبات صوته الآتي من بعيد مضطربة ، صوتٌ يحمل دفء السنين المنسية وعتاب مسافات طويلة. حينها أدركت أنه لم يكن مجرّد اتّصال بل كان طوق نجاة انتشل ذاتي من التيه. أعاد لروحي المغتربة مرساها في هذا الوجود . مع أولى كلماته تبدّدت ترانيم الحنين الباكية التي كنت أسكبها على الورق قبل قليل وتلاشى دجى اللّيل وانحسر غموض رداؤه عن كاهل المكان، تحررت زوايا الغرفة من قيد صمتها الطويل. أخذنا الحديث إلى الماضي، ناسجا من الذكريات معبرا من نور، قطع بنا لجج الغياب السّحيق.
مع أولى أنفاس فجر يطرد هجيع ليل طويل استيقظت غفوتي فجأة حين لفحتني شمس خجولة تسلّلت خلسة عبر نافذة مكسورة. اكتملت يقظتي في غرفة ملأ زواياها الفراغ وباغتني يقين حين أدركت أنّ ذلك الحوار لم يكن سوى سرابا تلاشى، كما ينتصب وهم عابر في وعي الزّمن.. أمسكت هاتفي بحثت عن آخر محادثة بيننا فما وجدت سوى تاريخ مهجور أخبرني بوضوح كم مرّ من الزّمن على هذه المكالمة ! حينها أدركت أنّني استفقت على حلم عابر أخذ معه كل جميل وتركني في عزلتي المعهودة لا أملك سوى وسادة إحباط أضمّها إلى صدري وقلم كئيب غفا فوق ورقة بلّلتها دموع الكلمات واليأس. غير أنّني وفي اللّحظة ذاتها عزمت على كسر قضبان الوحدة ونفض غبار العتمة عنّي. ألتقط قلمي وبدأت برسم جسرا جديدا يعبر بي إلى ضفة أخرى حيث النّجاح.
بقلم الشّاعرة كوثر غانم من تونس
خواطر



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات