أقما بنت حاجوجا _ حسناء تدمر _ ابتسام نصر الصالح
من روايتي ( أقما بنت حاجوجا _ حسناء تدمر ) التي ما زلت أكتب فيها.
[[ المشهد السادس
١٤
أم ميليسا: هيا احك لي عن رحلتك إلى تدمر، وماذا حصلت من معرفة عبرها.
أخذت ميليسا تروي قائلة:" كانت رحلة جميلة ونادرة رغم أنني عشتها فما زالت في ذاكرتي كحلم يأخذني إليها، خلال السفر استمتعنا بالانتقال من أوغاريت المفعمة بالاخضرار إلى البادية حيث الرمال ومفازات الصحراء وبعدها وصلنا إلى تدمر وفوجئنا بمنازلها المبنية من حجارتها البيضاء الضخمة الجميلة ومعابدها المنتشرة فيها كما هي في أوغاريت، ما إن وصلنا حتى استقبلنا حكماء وفيلسوف بيت الحكمة واصطحبونا إلى مضافتهم حيث كانت استراحتنا الأولى، في اليوم الثاني بدأت جولتنا الأولى وكانت دهشتي الكبيرة، تخيلي يا أمي واحة من بساتين الزيتون أشجارها تحمل زيتونا بحجم كبير لم أر له مثيلا من قبل وأشجار رمان، قطف المزارع ثمرات منه وقدمها لنا جميعا، أكلنا أطيب رمان تذوقته في حياتي، وكذلك أشجار النخيل التي لم يسبق لي رؤيتها، أكلنا البلح التدمري الطازج بلونه الذهبي وهو ذو حلاوة فريدة وطعم خاص،
ابتسمت أم ميليسا قائلة:" ربما هذه الواحة هي سر الحياة في تدمر."
ابتسمت ميليسا وتابعت: اليوم الثالث كان يوما علميا قضيناه في بيت الحكمة وشاركنا طلبتها الدروس والحوارات ثم أخذنا الفيلسوف في جولة إلى ورشة الفنون التي يعمل فيها الطلبة بهدف العلم وكذلك الإنتاج وكسب بعض المال، فكانت المفاجأة حيث خصص قسم للطالبات يعملن على المغزل ويحولن صوف الغنم وشعر الماعز وكذلك وبر الجمال إلى خيوط بينما مقابلهم نول ينسج عليه الطلبة هذه الخيوط لتكون أقمشة اسمها السدو وشرح لنا الفيلسوف أن هذه الأقمشة يشتريها البدو ليعملوا منها خيامهم التي يسكنونها في البادية وهي تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء لأن شعر الماعز حين يهطل المطر عليه فهو يتمدد وينتفخ ويصبح واقيا من المطر فلا يتسرب إلى داخل الخيمة أما صوف الغنم فيمنح القماش القوة والصلابة وكذلك وبر الجمال ولذلك يصنع القماش من شعر الماعز بنسبة كبيرة بينما النسبة الأقل للصوف ووبر الجمال، ثم توجهنا الى نول آخر فحكى الفيلسوف أن هذا النول ينسج عليه خيوط صوف الغنم بعد غزله وصباغته بعدة ألوان لينتج كما ترون البساط الأحمر والمزخرف بهذه الأشكال الهندسية باللون الأسود والأبيض، كذلك ينتج أقمشة كهذه وانتقلنا إلى ركن آخر فتعرفنا على منتجات يعملها طلبة وطالبات بيت الحكمة حيث يخيطون من أقمشة النول الصوفية الملونة حقائب جميلة وكذلك أغطية الوسائد والفرش وينجدون الكراسي بها فتصبح فاخرة جميلة ومريحة للجلوس عليها، ثم انتقلنا مع الفيلسوف إلى قسم النحت حيث حضرنا جلسة نحت فشاهدنا طالبة تنحت تمثالا لأحد التلاميذ الصغار، كانت تعمل بهدوء وكأنها تهيئ الحجر لتلقي ضربة الإزميل بالتدريج فلا تجرحه، كم هي جميلة تلك التماثيل الحجرية يا أماه، تكاد تنطق.
اليوم الرابع، كانت رحلتنا مع طلبة بيت الحكمة إلى البادية، حين وصلنا كانت المفاجأة الكبرى، هل يمكنك أن تتخيلي يا أمي بحيرة في الصحراء؟
أم ميليسا: بحيرة في الصحراء، معقول؟!!!
ميليسا: أجل يا أمي، بحيرة عجيبة يجف سطحها فيكسره الشبان وإذا به كتل من الملح الصخري أو البحري كما يسمونه وهكذا يحصلون على ثروة بعد أن يطحنوا كتل الملح ويبيعونها للتجار الذين يفدون إلى تدمر لشرائه ويحملونه معهم في قوافلهم، والجميل بالأمر أن الفيلسوف كان يشرح لنا ونحن نرى كل هذا بأم أعيينا ثم قدم لنا الشبان الذين يستخرجون الملح قطعا منه لتكون تذكارا من زيارتنا لهم، وتابع الفيلسوف شرحه فقال أن البحيرة تعيد إنتاج طبقة الملح كل شهر عبر تعرضها لشمس الصحراء الشديدة الملتهبة الحرارة، وهكذا يبقى هؤلاء الشباب في حالة عمل وكسب الرزق وتبقى تدمر تستقبل تجار الملح ليحملوه إلى بلدانهم ولكن يتوقف إنتاج الملح حين تهطل أمطار الخريف.
عندها بدأت أسئلتنا وكان السؤال الأول: كيف يمكن لبحيرة مياهها مالحة أن توجد وسط صحراء أو بادية؟!!!
أجاب الفيلسوف وقد لا حظ دهشتنا جميعا، قائلا أن المنطقة كلها كما يعتقد أجدادنا كانت مغطاة منذ آلاف آلاف السنوات بمياه البحر وهذا وحده التفسير المنطقي لوجود سبخة الموح لإنتاج الملح وهي هذه البحيرة التي تقفون الآن على ضفتها.
وهنا قال الفيلسوف والآن سنذهب بزيارة أتركها مفاجأة،
وصلنا إلى مكان فيه تجمع لخيام، فصرخت:" يا عشتار يا آلهة الجمال هل رأيت جمال هذه الخيام؟
ضحك الجميع وفوجئنا برجل يقبل علينا ويدعونا إلى خيمته، قال الفيلسوف:" هيا بنا نلبي دعوة الشيخ، مشى أمامنا حتى وصل إلى خيمة كبيرة جدا يبدو أنها أكبر الخيام فوقف أمامها ودعانا للدخول، وكانت المفاجأة أنها باردة كما لو أننا عدنا إلى أوغاريت، جلسنا في الخيمة وشربنا قهوة شهية جدا طازجة ورأينا شابا يقوم بتحميص القهوة والهال على النار فتفوح رائحة مميزة وآخر يدقها في المهباج وهو جرن كبير عال من الخشب الملون والمزخرف ومدقته خشبية كذلك، وشربنا ماء باردا أتوا به من غدير ماء قريب، وحين سألنا عن هذه المصادفة أن يكون الغدير قريبا من الخيام، أجابنا الشيخ أنها ليست مصادفة لكنهم بحثوا عن موضع الماء وحين وجدوا الغدير أقاموا خيامهم حوله، وعدنا إلى تدمر مفعمين بالمعرفة والخيال مترع بالصور والذكريات الجميلة.
انظري أمي هذه الحقيبة هدية من صديقتي أقما وهي من صنع يديها، خذي أمي وابحثي في داخلها مفاجأة، أدخلت أم ميليسا يدها وأخرجتها وإذا بها تحمل قطع ملح لم تر مثيلا لها من قبل؛ قالت بدهشة:" إنها كقطع البلور!!! ما أجملها!!! ]]
*** بقلمي: ابتسام نصر الصالح
حمص، سورية




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات