-->
»نشرت فى : الأربعاء، 4 نوفمبر 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

اغتيال البراءة _ عبدالفتاح الطياري


 

اغتيال البراءة

كانت القاعة تعجّ بالحياة، والأضواء الدافئة تعكس بريق الكؤوس الزجاجية في حفل عائلي سنوي اعتادت العائلة الكبيرة إقامته للمّ الشمل. في ركن جانبي، كان الصغير "نبيل"، ذو الأعوام الثمانية، يقبض بكلتا يديه الصغيرتين على دفتر رسم غلافه مهترئ بعض الشيء، وألوان خشبية متواضعة كافحت والدته لتشتريها له من مدخراتها البسيطة.
​كانت والدة نبيل أرملة هادئة، آثرت العيش بعزة نفس وصمت، مكرّسة كل وقتها لرعاية طفلها بعد وفاة زوجها، ولم تكن تملك حظوة المال ولا بريق المظاهر التي كان يتباهى بها بعض أفراد العائلة الممتدة.
​اقترب نبيل بخطوات وجلة وعينين تلتمعان بالفخر نحو طاولة يتصدرها عمه "محرز"، رجل ميسور اعتاد أن يقيس أقدار الناس بماركات ملابسهم ومستويات تعليمهم الأجنبية. كان محرز يتوسط دائرة من الأقارب، يوزّع الضحكات العالية ويستعرض أحدث رحلاته وسياراته.
​توقف نبيل أمامه، ومدّ دفتره قائلاً بنبرة بريئة مرتجفة:
— عمّي محرز، انظر... لقد رسمت وجهك، أردت أن أهديك إياها بمناسبة ترقيتك التي أخبرتني عنها أمي.
​توقف الحديث فجأة. نظر محرز إلى الصبي من أعلى لأسفل، متفحصاً قميصه البسيط وحذاءه العادي، ثم ألقى نظرة سريعة وخاطفة على الرسمة. كانت الرسمة عفوية، خطوطها طفولية لكنها مليئة بجهد صادق ورغبة دافئة في التقرب.
​بدلاً من ابتسامة عابرة أو كلمة تشجيع، علت وجه محرز ابتسامة ساخرة، ونظر إلى الحاضرين حوله قائلاً بصوت مرتفع تهكّمي:
— هل هذه ملامحي في نظرك يا بني؟ يبدو أن ذوقك الفني يحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة، تماماً كألوانك الرخيصة هذه التي لطخت بها الصفحة. ابن عمك "عمر" في مثل سنك ويعزف على البيانو في معهد فرنسي، ويبدو أن الفرق بينكما ليس في الإمكانيات فقط، بل في الذائقة أيضاً!
​ارتفعت ضحكة خافتة ومرتبكة من شخصين كانا يبتغيان مجاملة محرز، بينما تسمّر الحاضرون في أماكنهم.
​لم يفهم نبيل مصطلحات "الذائقة" و"التأهيل"، لكنه فهم لغة النظرات ونبرة الاستهزاء التي اخترقت قلبه الصغير كالسهام، أو كأنها سياط خفية تنهال على براءته. ارتعشت شفتاه، وانكسر البريق الذي كان يملأ عينيه ليتحول إلى غشاوة من الدموع المحبوسة. ضمّ دفتره إلى صدره كأنه يحمي جرحاً نازفاً، وتراجع إلى الخلف ببطء دون أن ينطق بحرف، قبل أن يركض نحو زاوية الحديقة المظلمة.
​شهدت الجدة "أمينة" المشهد كاملاً من مقعدها الخشبي المريح. كانت امرأة وقورة، تختزن ملامحها حكمة السنين وهيبة لا يجرؤ أحد على تجاوزها. قامت ببطء، مستندة إلى عكازها، وتجاوزت محرز دون أن تنظر إليه، متجهة مباشرة نحو نبيل في الحديقة.
​جلست الجدة بجانب الصغير، الذي كان يجلس على درجات السلم الحجري ودموعه تنهمر في صمت. لم تتحدث في البداية؛ لفت ذراعها حول كتفيه الصغيرين وضمته حتى هدأت شهقاته.
​قالت بصوت رزين حنون:
— هل تسمح لي برؤية هديتك يا بني؟
​فتح نبيل الدفتر بتردد وخوف، ويده ترتجف. تأملت الجدة الرسمة طويلاً، ثم مسحت برفق على شعره وقالت:
— لم أرَ منذ زمن وجهاً رُسم بهذا القدر من البراءة والمحبة. اسمعني جيداً يا نبيل، القلوب الكبيرة هي التي ترى الجمال في النوايا، أما العيون التي أعمى بصرها الغرور، فلا ترى سوى ما ينقصها هي من الداخل. لا تجعل قسوة أحد تُطفئ هذا النور الذي في روحك، ولا تصغر نفسك أمام من يرى الناس من برج وهمي.
​أعادت الجدة نبيل إلى الداخل ممسكة بيده، ودخلت به مباشرة نحو الطاولة المركزية حيث ما زال محرز يتصدر الجلسة. ساد الصمت التام فور وقوفها.
​وضعت الجدة يدها على كتف حفيدها الصغير، ونظرت مباشرة في عيني محرز بنظرة حاسمة وقالت بصوت هادئ سمعه الجميع:
— يا محرز، كبرتَ في المال والمظاهر، لكنك سقطت اليوم في ميزان الرجولة والمروءة. إن أردت أن تستعرض قوتك، فاستعرضها أمام أندادك، لا أمام طفل بريء جاءك بقلبه ويده ممدودة بالحب. من يتعالى على طفل ليس رجلاً قوياً، بل هو إنسان يشعر بضآلة نفسه فيحاول أن يصنع لنفسه حجماً بالدوس على كرامة الصغار.
​احمرّ وجه محرز وازدرد ريقه حرجاً، وعجز لسانه عن صياغة رد واحد أمام حزم الجدة، ونظر إلى الأرض متفادياً أعين الجالسين التي تحولت جميعها من مجاملته إلى لومه وازدرائه.
​تابعت الجدة وهي ترفع دفتر نبيل:
— هذا الطفل أغنى منك خلقاً وروحاً، لأن قلبه لم يتلوث بعد بحسابات التكبر والتعالي التي جعلتك فقيراً وأنت تظن نفسك غنياً.
​غادرت الجدة القاعة مصطحبة نبيل ووالدته، تاركة وراءها درساً لن ينساه الحاضرون أبداً: أن الإنسان لا يعلو أبداً بإسقاط غيره، وأن الإهانة كالسهم المرتد، تصيب كرامة صاحبها أولاً وتكشف عورات نقصه أمام الجميع.
بقلمي عبدالفتاح الطياري

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015