-->
»نشرت فى : الأربعاء، 4 نوفمبر 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

بقلبي رجلٌ شَرقيٌ _ د . علاء أبو شحاتة


 

بقلبي رجلٌ شَرقيٌ .

بقلبي رجلٌ شرقيٌ ، كلَّما قلَّبتُ دفاتري وجدته في مفرداتي ، أشكّله ، أصوّرهُ ، كما أهواه وأحبّه ، أرسمه حروفَ قصائدي ، وأُعلنه مجازَ أمنياتي ، أتنفَّسُ عطرَ أنفاسه ، وتُجَمَّلُ أرضي سماؤه ، مَلَّكتُه قلبي ، مَكَّنته صولجاني ، وألبسته تاجي وعرشي ، كان رحيقَ أمسياتٍ .
فلكَ أهديتُ قلبي وبِتَّ كلَّ حياتي ، تفاصيلها وأدقَّ أجزائِها ، مدهشٌ أنتَ سيِّدي ، أنبعجُ بين خطوطِ يديْكَ ، أتوه في مساراتِها ، تغويني لأسبحَ نحو برجِ سرطانٍ لكَ ينتمي ، لا أدري أيعقلُ أن أغارَ أنَّه ينازعني في انتمائي إليكَ والتصاقي بكَ ؟ لكن لا ضيرَ ، فأنا وشمٌ يشغلُ باطنَ كفيْكَ ، وواجهةُ قلبْكَ ، وعيناك مرايا تعكسُ نبضي وصورتي ، أيَا رَجُلي لمَ التَّمهُّلُ في هواكَ ، وأنا في حبِّكَ وعشقكَ بسرعةِ الضَّوءِ حين ينفلتُ من رحمِ السَّماءِ ليُعِيدَ للأرض حياتَها ؟ أولستَ تزعمُ في هوايَ جنونكَ ؟ أولسنا بنزقِ ثوارٍ أحاط بهم الرَّدى ؟
أيَا رَجُلي وسيِّدي ، في هذا العالمِ البائسِ تشتاقُ لكَ شفتاي لتفسدَ لونَها الأحمرَ بسيجارةٍ تملأُ فراغي بنكهةِ الاحتراقِ ، وقبلةٌ تسرقُ ثقلًا أحاطَ بمعصمي ، وكأنَّه الموتُ البطئُ يحولُ بيني وبينكَ ، أيَا حبيبي ونورَ عَيْنِي وفرحتي ، على قدرِ عِشْقِي وشوقي إليكَ ولهفتي ، وحنايا قلبٍ تتوقُ إليكَ كلَّ التَّوقِ وكلَّ الشَّوقِ ، هبْ مزيدَ ليالٍ أخرياتٍ لي وحدي ، فأنا في هواكَ تخطَّيتُ حدودَ التَّطرفِ والغيْرةِ وأنانيةِ التَّملُّكِ والتَّذللِ ، فأنا أمرأةٌ أجبرني هواكَ طوعيةً ولوجَ عوالمِ مروءتكَ ورجولتكَ ، حتى اجتمعتْ علىَّ كلُّ أضاد الدُّنا ، ما بين جاريتكَ وسلطانةِ قلبكَ وكلِّ النِّساءِ بعينك أذوبُ فيكَ وأنتمي .
أجبتها .
سلطانةَ قلبي ومليكتي ، دعي غيْرتَكِ تنالُ منكِ ، وتُشعلُ نيرانَ قلبكِ ، فتثورُ معها براكينُ العشقِ ولوعتِه ، لكن حذاري ، ممنوعٌ عليكِ الاقترابَ من عرشِ ثقةٍ تنامتْ إلى كبدِ السَّماء بيننا ، فبيننا لحمٌ ودمٌ وعظمٌ وأربطةٌ يرهبها هاجسُ البعاد ، فهوانا كالدِّين ؛ ميثاقٌ غليظ ٌ تجاوزُه كفرٌ وزندقةٌ وهرطقةٌ وإلحادٌ لا غفرانَ له .
نعم سيِّدتي ، أنا رجلٌ شرقىٌّ نجحتُ فى إشراقكَ بامتيازٍ ، ولا أرى أن يأتي يومٌ لم تشرقْ شمسُه ، وأضعكَ موضعَ اختبارٍ وابتلاءٍ ، وأزجُّ بك بمتواليةِ أين ومتى ولماذا ، حين تتحوَّلُ أدواتُ الاستفهام إلى أدواتِ شكٍ وسوء ظنِّ واتهامٍ ، وكيف أعاتبك وأنتِ منّي ، وملامحُ الجمالِ والفرحةِ بطرقات حياتي ودروبها ؟
أيَا حبيبتي ، ولكِ منِّي كلُّ سلامٍ وطيبُ كلامٍ ، وهل يُلامُ مَن كانَ عشقه لكِ قربانَ تضحيةٍ وإذعانٍ بمحرابِ آياتِ العشقِ والوجدانِ ؟ أيلامُ مَن سَكنَ الهوى ظِلَّهُ ، فصار ينطقُ بلا طَرْقٍ ولا استئذانٍ مِن فرط شوقٍ عليكِ صلواتِ الحروف تُتلى عليكِ وتنحني .
عادت وقالت :
أيُّها الرَّجلُ الذي اتَّخذَ من قلبي وطنًا ، أما علمتَ أنَّ المرأةَ لا تُحبُّ الرَّجلَ لأنَّه الأقوى ، بل لأنَّه الوحيدُ الذي تشعرُ بين يديه أنَّها لا تحتاجُ إلى أن تكونَ قويَّة ! إنَّ الحبَّ يا سيِّدي ليس اجتماعَ قلبيْن ، بل سقوطُ كلِّ الأقنعةِ بينهما ، فمنذُ عرفتُكَ لم أعدْ أبحثُ عن نفسي في المرايا ، بل في انعكاسِ عَيْنَيْكَ ، ولم أعدْ أخافُ من الزَّمنِ ، بل من يومٍ يمرُّ لا أكونُ فيه دعاءَكَ الأوَّل ، ولا طمأنينتَكَ الأخيرة ، وإن سألوني عن وطني لقلتُ : رجلٌ إذا حَضَرَ اتَّسعتِ الأرضُ ، وإذا غابَ ضاقتِ السَّماءُ بما رحبت .
أجبتها .
يا سيِّدةَ قلبي ، ما الحبُّ عندي وعدًا يُقالُ ، ولا كلمةً تُكتبُ ، ولا شوقًا تذروه الرِّياحُ ، بل ميثاقٌ يُعقدُ بين روحين ، فإذا انعقدَ صارَ الوفاءُ له عبادةً ، وصارتْ الطُّمأنينةُ أوَّلَ حقوقه ، وما أعظمَ العاشقَ الذي يجعلُ قلبَ محبوبِه مأمنًا ، لا ساحةً للشكِّ ، ولا ميدانًا للخصامِ ، فالحبُّ لا يُقاسُ بطولِ اللِّقاءِ ، وإنَّما بما يبقى من يقينٍ حين يطولُ الغيابُ ، لذلك أرى أنَّ أعظمَ صورِ العشقِ ليست أن يذوبَ أحدُنا في الآخر، بل أن يُشيِّدَ كلٌّ منهما للآخرِ وطنًا لا تُسقطه المسافاتُ ، ولا تهدمه الأيَّامُ ، ولا تعبثُ به الظُّنونُ.
ما الحبُّ إلَّا أن تُشيِّدَ موطنًا في القلبِ لا تهوي به الأزمانُ ، وتظلُّ تُقسمُ للوفاءِ بأنَّهُ دينٌ ، ومَن خانَ الوفاءَ يُدانُ ، فالعشقُ ليسَ حرارةً عابرةً ، بل عهدُ روحٍ لا يُطالُ ويُصانُ .
اقتباس من كتابي أحببتك رغم أنف قبيلتك وقبيلتي
الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شحاتة

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015