-->
»نشرت فى : الاثنين، 22 يونيو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

شوارع خلفية _ طارق الحلوانى


 شوارع خلفية ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
في الطريق إلى محطة المترو كنت أمر كل صباح من شارع لا أتذكر اسمه.
ربما لأن أحدا لا يستخدم اسمه.
الناس تعرفه برائحة القمامة.
قبل أن تصل إليه بعشرين مترا تبدأ الرائحة.
خضار متعفن.
مياه آسنة.
بلاستيك محترق.
ودخان يتسلل من أكوام مخلفات لا تنطفئ أبدا.
خلف صف المحلات القديمة تتفرع حارات ضيقة.
عند مدخل كل حارة يقف صبي.
لا يبيع شيئا.
ولا يفعل شيئا.
فقط يراقب.
أما في الداخل فكان الرجال يتجمعون حول شخص ضخم العنق، مغطى بالوشوم، يمد يده فتخرج منها أكياس صغيرة وتعود إليها نقود مطوية.
كنت أمر كل يوم.
أخفض بصري وأكمل طريقي.
مثل الآخرين.
في مساء أحد الأيام كانت هناك مشاجرة.
رجل يضرب آخر ملقى على الرصيف.
ركلات سريعة.
سباب.
وجوه تتفرج.
تدخل بعض المارة.
وتدخلت معهم.
انفض الجمع أخيرا.
وبقي المضروب جالسا على الأرض.
كان نحيفا على نحو يثير القلق.
وجهه غائر.
وشعره متشابك.
وعيناه حمراوان كأنهما لم تعرفا النوم منذ زمن.
قلت:
ـ تحب تقوم؟
رفع رأسه ببطء.
نظر إلي.
ثم قال:
ـ أقوم وأروح فين؟
كانت رائحة العرق والمخدرات والشارع تخرج منه دفعة واحدة.
مددت يدي.
تردد قليلا.
ثم أمسكها ونهض.
قال:
ـ متشكر يا أستاذ.
كان في صوته شيء أربكني.
شيء مألوف.
لكنني لم أستطع الإمساك به.
سرنا خطوات.
قلت:
ـ تشرب شاي؟
هز رأسه.
ـ لو معاك عشرة جنيه تبقى عملت معايا الصح.
ـ ليه؟
حك ذراعه بعصبية.
ثم ضغط أسنانه على بعضها.
ـ عشان جسمي بيعض في بعضه.
أخرجت ورقة نقدية.
ظل ينظر إليها لحظات.
ثم قال:
ـ استناني.
وراح ناحية إحدى الحارات.
عاد بعد نحو ساعة.
أبطأ من السابق.
هدأ الارتعاش في يديه.
لكن شيئا آخر حل مكانه.
شيء يشبه الغياب.
كان يمشي كمن يطأ أرضا رخوة.
ويبتسم أحيانا لأسباب لا يعرفها أحد.
لم أسأله أين ذهب.
ولم يسألني لماذا انتظرته.
أمام محل الكشري رفض صاحب المحل دخوله.
حدث الأمر بسرعة.
كأنه إجراء معتاد.
نظر صاحب المحل إليه.
ثم إلي.
وقال:
ـ لا.
مش هيقعد هنا.
لم يغضب الرجل.
ولم يحتج.
فقط استدار لينصرف.
قلت:
ـ هيدخل معايا.
هز صاحب المحل كتفيه على مضض.
دخلنا.
جلس الرجل على طرف الكرسي.
جاء الطعام.
أخذ يأكل بسرعة.
ثم تباطأ فجأة.
وصار يجمع حبات الأرز المتناثرة على الطاولة بطرف إصبعه ويعيدها إلى الطبق.
راقبته دون أن أتكلم.
فرفع رأسه.
وقال:
ـ الواحد بيتعلم حاجات كتيرة في الشارع.
ثم عاد إلى الأكل.
في القهوة طلب حجر معسل.
جاء الفحم.
اشتعل التبغ.
وصعد الدخان بطيئا نحو سقف المكان.
نظر إليه طويلا.
كأنه يرى فيه شيئا لا أراه.
ثم قال:
ـ من زمان ما قعدتش قعدة زي دي.
قلت:
ـ قعدة إيه؟
قال:
ـ حد قاعد معايا وخلاص.
لا عايز مني حاجة.
ولا خايف مني.
ثم ضحك.
وأضاف:
ـ أو يمكن خايف ومش باين.
بدأ يحكي.
لا عن نفسه.
عن آخرين.
دائما عن آخرين.
عن طفل ينام داخل سيارة نصف نقل متوقفة منذ سنوات.
عن بنت جاءت هاربة من بيتها ثم اختفت.
عن رجل مات تحت كوبري وظل يومين قبل أن يعرف أحد اسمه.
عن تجار الخردة.
وعن الصبية الذين يراقبون مداخل الحارات.
وعن رجال يسمونهم "الهنجرانية".
كان يتكلم.
ثم ينسى ما كان يقوله.
ثم يقفز إلى موضوع آخر.
ثم يعود.
وفي كل مرة كانت عيناه تذهبان إلى جيبي.
إلى الهاتف فوق الطاولة.
إلى الساعة في معصمي.
ثم تعودان.
في البداية ظننتها مصادفة.
لكنها لم تكن.
بعد ساعة تقريبا قال فجأة:
ـ لسه المدرسة اللي جنب السكة موجودة؟
نظرت إليه.
ـ مدرسة إيه؟
ذكر اسمها.
كانت مدرستي الابتدائية.
شعرت بشيء بارد يمر في ظهري.
ثم ذكر اسم مدرس الحساب.
وبائع الحلوى الذي كان يقف أمام البوابة.
قالها ببساطة.
كأنه يتحدث عن الطقس.
قلت:
ـ إنت تعرف المنطقة دي؟
نفث الدخان.
وقال:
ـ زمان.
ثم سكت.
حين نهضنا كان الليل قد ابتلع الشارع.
قلت له:
ـ لو حبيت أبقى أشوف لك مكان تتعالج فيه.
نظر إلي.
ثم نظر إلى الحارات المظلمة خلفنا.
وقال:
ـ وأروح بعد العلاج فين؟
لم أجد جوابا.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
متعبة.
ثم اختفى داخل الظلام.
- فى الطريق لمنزلي وضعت يدي في جيبي لشراء بعص الاحتياجات.
لم أجد المحفظة.
وقفت مكاني.
لم أشعر بالدهشة.
فقط شعرت أن الأمر منطقي.
تماما مثل القمامة في ذلك الشارع.
ومثل الصبية الواقفين للمراقبة.
ومثل الحارات التي لا تنتهي.
عدت سريعا.كانت القهوة قد أغلقت.
والكراسي مقلوبة فوق الطاولات.
ناداني العامل.
وقال:
ـ الراجل اللي كان معاك رجع قبلك وساب دي.
ناولني المحفظة.
فتحتها.
كانت النقود كما هي.
والبطاقات كما هي.
وفي الداخل وجدت تذكرة مترو قديمة.
باهتة اللون.
منتهية الصلاحية منذ سنوات طويلة.
قلبتها.
وجدت على ظهرها كلمة واحدة.
" أنا محمود"
رفعت رأسي.
نظرت نحو الحارات البعيدة.
كانت خالية.
إلا من الرائحة نفسها.
رائحة لا تخص القمامة وحدها.
بل تخص أشياء أخرى.
أشياء تضيع.
ولا يعثر عليها أحد.
طارق الحلوانى
يونيو ٢٠٢٦

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015