بئر الخيانة قصة لـــ أحمد عيسي
قصة قصيرة بئر الخيانة
======= =====
كانت قرية "المحاسنة" الغارقة في قلب الصعيد تغفو على أصوات الساقية ووشوشة الذرة، لكن صمتها كان يحمل في طياته أسرارًا لا ترحم. في أطراف القرية، يقف "بئر الشيخ"، بئر قديمة مهجورة يشاع أن مياهها قد جفت منذ عقود، لكنها ظلت شاهدة على تاريخ القرية وأسرار أهلها.
كان أحمد شابًا يسعى بين حقول المحاسنة برأس مرفوعة وقلبا نقياً، يعمل في تجارة المحاصيل بالشركة مع صديق عمره "حسان". كان حسان بالنسبة لأحمد أكثر من أخ؛ تقاسما الخبز والملح، وشهدت أزقة القرية على طفولتهما وشبابهما. غير أن عين حسان كانت تفيض بحسد دفين كلما رأى ثقة أهل القرية في أحمد ورضا والده الشريف عنه.
في إحدى ليالي الصيف الدافئة، طلب حسان من أحمد أن يلتقيا عند طرف القرية بالقرب من بئر الشيخ، بحجة تسوية حسابات المحصول الأخير بعيدًا عن أعين الفضوليين. مشى أحمد بنية طيبة لا يخالجها شك، يحمل معه دفتر الحسابات وصناديق المال التي جمعها طوال الموسم.
عند حافة البئر، وجد أحمد صديقه واقفًا يرقب الظلام.
"أهلاً يا أحمد... هل أحضرت أمانة الموسم كلها؟" سأل حسان ببرود غير معتاد.
رد أحمد بابتسامته المعهودة: "بالتأكيد يا حسان، الخير كثير والحمد لله."
ولم يكد أحمد ينهي جملته حتى التفت نحو البئر ليعرض عليه أوراق التصفية، فإذا بيد حسان تدفعه بقوة وقسوة لم يتوقعها من بشر. اختل توازن أحمد، وسقط في ظلمات البئر السحيقة، بينما تصاعدت ضحكة حسان مكتومة وهو يجمع صناديق المال ويمسح أثاره متوهمًا أن القرية ستظن أن أحمد هرب بالمال ورحل.
لكن القاع لم يكن نهاية المطاف. سقط أحمد على طبقة كثيفة من الطين والهشيم أنقذت حياته، رغم إصابته بكسور ووجع يمزق جسده وركيزته الصدمة: خيانة الأخ. قبع في القاع ليلتين، يستمد قوته من أمل مبهم وصبر أهل الصعيد الوراثي، حتى مرّ بالصدفة أحد ركاب الهجن القدامى وسمع أنينًا صاعدًا من أحشاء البئر.
تجمع أهالي "المحاسنة" واستخرجوا أحمد من ظلمات البئر. حين فتح عينيه أمام شيوخ القرية وفي مقدمتهم والده، لم يصرخ ولم يطالب بالثأر السريع، بل نظر إلى حسان المتواجد بين الجمع والوجوم يكسو وجهه.
وقف أحمد بتعب وقال بصوت هزّ أركان المكان: "لقد سقطت في البئر يا حسان، لكن الخيانة هي التي سقطت في القاع ولن تخرج منه أبداً."
كشفت حقيقة المال وشهادة الجيران زيف حسان، ونُفي من القرية يجر أذيال العار، بينما سمى أهل المحاسنة البئر منذ ذلك اليوم "بئر الخيانة"، لتظل قصة أحمد شاهدًا على أن الغدر قد يلقي بصاحبه في ظلمات الأوهام، لكن الحق يطفو دومًا على السطح.
تمت
احمد عيسي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات