في زمن كثرة العلاقات لماذا أصبح الوفاء نادرا؟ _ فارس محمد
في زمن كثرة العلاقات لماذا أصبح الوفاء نادرا؟
لم يعد السؤال الحقيقي لماذا أصبح الوفاء نادرا. بل لماذا أصبح الإنسان نفسه قابلا للاستبدال بهذه السهولة. نحن نعيش في زمن تتكاثر فيه العلاقات حتى أصبح الإنسان محاطا بعشرات الأسماء. لكنه قد يعجز عن العثور على قلب واحد يعرف كيف يبقى. نفتح الهاتف فنجد أصدقاء لا نراهم. ووجوها نعرف أخبارها أكثر مما نعرف أخبار من يجلس إلى جوارنا. ونتبادل الكلمات كل يوم حتى أصبح التواصل كثيرا والحضور قليلا. وأصبحنا نعرف عن حياة الآخرين كل شيء تقريبا ولا نعرف عن وجعهم شيئا.
لقد صنعت التكنولوجيا قربا لا يشبه القرب. ومنحتنا قدرة هائلة على الوصول إلى الآخرين. لكنها لم تمنحنا القدرة على الوصول إلى أعماقهم. أصبح بإمكان الإنسان أن يظهر في حياتك خلال ثانية. وأن يختفي منها خلال ثانية أخرى. وكأن العلاقات أصبحت نوافذ تفتح وتغلق بضغطة واحدة. لم تعد المسافة هي التي تفرق الناس. بل سهولة الرحيل. ففي الماضي كان الإنسان يفكر طويلا قبل أن يهدم علاقة. أما اليوم فقد أصبح البديل جاهزا قبل أن ينتهي العتاب.
وهنا بدأت الكارثة الحقيقية. لم نعد نتعامل مع الإنسان باعتباره إنسانا. بل باعتباره تجربة قابلة للتقييم. إن أسعدك بقي. وإن أتعبك غادرته. وإن اختلف معك استبدلته. وإن أخطأ مرة فتحت له باب الرحيل. وإن ظهرت شخصية أكثر راحة بدأت تقارن. حتى المشاعر دخلت سوق المنافسة. وأصبح بعض الناس يبحثون عن العلاقة التي تمنحهم أقل قدر من المسؤولية وأكبر قدر من الراحة.
نحن لا نبحث دائما عن شخص نحبه. بل كثيرا ما نبحث عن شخص لا يزعج صورتنا عن أنفسنا. نريد من يفهمنا ولا يطلب أن نفهمه. ويسامحنا ولا يذكر أخطاءنا. ويقف معنا دون أن يسألنا ماذا فعلنا حين احتاج إلينا. نريد الوفاء من الآخرين. لكننا نريد لأنفسنا دائما حق الانسحاب.
وهنا تصبح الحقيقة أكثر قسوة. ربما لم يمت الوفاء. ربما نحن الذين أصبحنا أقل قدرة على تحمله. لأن الوفاء ليس شعورا جميلا فقط. بل مسؤولية ثقيلة. أن تبقى يعني أن ترى عيوب الإنسان ولا تهرب عند أول خيبة. أن تبقى يعني أن تعترف بأن الآخر ليس نسخة منك. وأن اختلافه لا يعني خيانته. وأن غضبك منه لا يلغي تاريخه معك. أن تبقى يعني أن تعرف متى تعاتب ومتى تصمت. ومتى تسامح ومتى تضع حدودا. ومتى تنقذ العلاقة ومتى تنقذ نفسك منها.
لكننا نعيش في زمن يريد نتائج بلا صبر. وحبا بلا اختلاف. وقربا بلا مسؤولية. يريد الإنسان الآخر كاملا. بينما يمنح نفسه الحق في أن يكون ناقصا. يغضب من خيانة صغيرة. ثم يخون في مشاعر الآخرين دون أن يسمي ما فعله خيانة. يطالب بالصدق. ثم يخفي الحقيقة التي لا تناسب صورته. يطلب الاهتمام. ثم يتجاهل من يحبه حين لا يحتاج إليه. يريد إنسانا يبقى معه في أصعب أيامه. لكنه قد يرحل هو عند أول يوم لا يشبه مزاجه.
وهذا هو الوجه الذي لا نحب أن نراه في المرآة. نحن كثيرا ما نشكو من قلة الوفاء. بينما نشارك في صناعة هذا النقص. نحن الذين جعلنا العلاقات سريعة. والقرارات أسرع. والاعتذارات نادرة. والبدائل كثيرة. نحن الذين أقنعنا أنفسنا أن الرحيل قوة دائما. وأن البقاء ضعف دائما. مع أن بعض الرحيل جبن متنكر في هيئة كرامة. وبعض البقاء شجاعة لا يراها أحد.
لقد أصبحنا نخلط بين الكرامة والكبرياء. الكرامة أن تعرف متى ترحل عندما يتحول وجودك إلى إهانة. أما الكبرياء فهو أن ترفض العودة إلى باب تحبه فقط لأنك لا تريد أن تكون أول من يطرقه. وبين الاثنين تضيع علاقات كاملة. يموت الحب أحيانا ليس لأن الحب كان ضعيفا. بل لأن أحد الطرفين كان ينتظر اعتذارا. والآخر كان ينتظر خطوة. وكلاهما كان يملك القدرة على إنقاذ ما بينهما. لكنهما اختارا أن ينتصرا لأنفسهما وخسرا العلاقة.
والأكثر إيلاما أن بعض الناس لا يكتشفون قيمة الإنسان إلا بعد غيابه. ما دام موجودا يصبح عاديا. وما إن يرحل حتى يتحول في الذاكرة إلى استثناء. نعتاد النعمة حتى لا نراها. ونفقدها حتى نفهم قيمتها. وربما لهذا يمتلئ العالم بالمحبين المتأخرين. أولئك الذين يعرفون قيمة الأشخاص بعد أن يصبح الوصول إليهم مستحيلا.
نحن نريد أحيانا أن نحتفظ بالإنسان كذكرى جميلة. لأن الذكرى لا تطالبنا بشيء. أما الإنسان الحاضر فيطالبنا بالصبر والاهتمام والتنازل والصدق. ولهذا قد يكون الغياب أحيانا أكثر راحة من الحضور. لأن الغائب لا يختبر أخلاقنا كل يوم. ولا يضع أمامنا مرآة تكشف أنانيتنا.
والوفاء في حقيقته ليس أن تقول لشخص أحبك. بل أن تتصرف معه كما لو أن كرامته أمانة في يدك. أن تحفظ سره عندما يغيب. وأن لا تستخدم ضعفه سلاحا عندما تختلف معه. وأن لا تحول لحظة غضب إلى محكمة لتاريخ كامل. أن تتذكر ما كان بينكما قبل أن تحكم على ما حدث بينكما.
لكن هناك حقيقة أخرى يجب ألا نهرب منها. ليس كل من رحل خائنا. وليس كل من بقي وفيا. هناك من بقي لأن الرحيل لا يخدم مصلحته. وهناك من رحل لأنه أدرك أن الاستمرار أصبح ظلما للطرفين. الوفاء لا يعني أن تبقى في علاقة ميتة. ولا يعني أن تسمح لأحد بإهانتك باسم الذكريات. الوفاء الحقيقي أعمق من ذلك. هو أن تكون صادقا حتى في النهاية. وأن تخرج من حياة الإنسان دون أن تهدمه لمجرد أنك لم تعد تريد البقاء.
وربما أكبر خدعة نعيشها اليوم هي أننا نملك الكثير من العلاقات. الحقيقة أننا نملك الكثير من المعارف. والكثير من المتابعين. والكثير من الأسماء. لكن الإنسان لا يقاس بعدد من يستطيع الوصول إليهم. بل بعدد من يستطيع أن يكون بينهم على حقيقته دون خوف من أن يستخدموا ضعفه ضده.
قد تعرف ألف شخص. لكنك قد تحتاج واحدا فقط حين تنطفئ كل الأنوار. واحدا لا يسألك ماذا ستعطيه. ولا ماذا سيستفيد منك. ولا كم مرة أخطأت. بل ينظر إلى ما تبقى منك ويقول لك أنت ما زلت أنت.
وهنا يصل السؤال إلى مكان أكثر قسوة من مجرد الحديث عن الوفاء. ماذا لو كنا نحن أيضا المشكلة. ماذا لو كان الإنسان الذي نبحث عنه طوال حياتنا موجودا. لكنه لم يجد فينا ما يجعله يريد البقاء. ماذا لو كنا نطالب الآخرين بأن يكونوا أوفياء. بينما لا نمنحهم نحن الأمان الذي يجعل الوفاء ممكنا. ماذا لو كنا نريد أن يحبنا الآخرون كما نحن. بينما نقضي حياتنا في محاولة تغييرهم حتى يناسبوا احتياجاتنا.
ربما لا يحتاج الوفاء إلى أشخاص كثيرين. بل إلى نفوس أقل أنانية. وربما لا يحتاج الحب إلى مزيد من الكلمات. بل إلى أشخاص يفهمون أن بعض العلاقات لا تنجو لأنها مثالية. وإنما لأنها وجدت شخصين يعرفان قيمة ما بينهما أكثر من قيمة انتصارهما على بعضهما.
وفي النهاية قد لا يكون السؤال أين اختفى الأوفياء. ربما السؤال الأكثر صدقا هو أين اختفى الإنسان الذي يستطيع أن يكون وفيا حين لا يراقبه أحد.
في زمن يستطيع فيه الجميع أن يرحلوا بسهولة يصبح البقاء موقفا أخلاقيا. وفي زمن أصبحت فيه الأسرار مادة للفضح يصبح حفظ السر شرفا. وفي زمن أصبح الاعتذار فيه هزيمة تصبح كلمة آسف شجاعة. وفي زمن أصبحت فيه العلاقات قابلة للاستبدال يصبح الإنسان الذي يقول لك أنا باق رغم قدرتي على الرحيل شيئا نادرا.
لذلك لا تبحث عن الذي يقول لك لن أتركك. ابحث عن الذي حين يستطيع أن يتركك لا يحول غيابك إلى فرصة للانتقام. وحين يختلف معك لا يمحو كل ما كان جميلا. وحين يعرف أسرارك لا يستخدمها ضدك. وحين يرى ضعفك لا يحتقرك.
فهذا هو الوفاء في صورته الأخيرة. ليس أن يبقى الإنسان بجانبك إلى الأبد. وإنما أن يظل إنسانا معك حتى في اللحظة التي يصبح فيها الرحيل أسهل من البقاء.
وربما لهذا لا يكون الأوفياء أكثر الناس وجودا في حياتنا. بل أكثرهم أثرا فيها.
هؤلاء لا يملؤون الذاكرة فقط. بل يتركون فيها مكانا لا يستطيع أحد أن يسكنه بعدهم.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات