-->
»نشرت فى : الجمعة، 18 سبتمبر 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مقامة السفر... _ حسن المكاوي


 مقامة السفر...

حدثنا الأمل فقال:
خرجت من مغارة الصبر ذات فجر وعلى كتفي رداء الترقب وفي يدي عصا من ضوء.
وكنت قد سئمت المقام في مدينة الانتظار حيث البيوت كلها نوافذ مغلقة والقلوب كلها أبواب مواربة.
فقلت في نفسي لا بد من سفر.
فإن الحب المنتظر لا يأتي إلى من جلس وإنما يسعى إليه كما يسعى إلى الماء في القفار.
وما مشيت إلا قليلا حتى لاحت لي نجمة الفجر معلقة بين ليل ونهار.
تتلألأ ولا تحترق وتدنو ولا تمس.
فناديتها يا نجمة دليني على درب الحب المنتظر.
فضحكت وقالت بصوت كنسمة أولى أيها الأمل أنا لا أهدي الدروب أنا أهدي العيون التي تبحث.
امش حتى يبهت بريقي فحين أختفي يكون قد اقترب.
ثم ذابت في ضوء وتركت لي في السماء سؤالا أتطلب حبا يجيء أم حبا تصيره أنت.
سرت حتى تورمت قدماي فاعترضني جبل الأمان شامخا كصمت الأنبياء.
على رأسه غيمة وفي حضنه واد من سكينة.
فقلت يا جبل أما تعبت من الوقوف.
قال يا ابن الأيام تعبت من الذين يأتون إلي هربا لا بحثا.
أما أنت فتمشي فامش.
فإن الحب المنتظر ليس وطنا تسكنه بل قمة تتسلقها.
وأشار بظله إلى واد سحيق وقال هناك واد اسمه وادي الصدى.
إن ناديت فيه باسم الحب ردت عليك كل الحجارة باسمك أنت.
وفي الوادي لقيت نهر الشوق يبكي ولا يتوقف فسألته لم البكاء.
قال أبكي لأني أجري إلى بحر ولا أدري إن كان ينتظرني.
ولقيت شجرة العتاب واقفة وحدها أوراقها رسائل لم ترسل.
قالت خذ مني ورقة واكتب عليها ما لم تقله.
ولقيت ريح الغياب تمر ولا تترك أثرا إلا أنها تعلمني كيف يكون الحضور خفيفا.
حتى إذا بلغت آخر السفر لم أجد حبا جالسا على عرش ينتظرني.
وجدت مرآة من ماء فإذا بي فيها وإذا في عيني نجمة الفجر وعلى ظهري جبل الأمان وفي صدري نهر الشوق.
فعلمت أن ما نطلبه في البعيد يسكن فينا من البداية.
فعدت إلى مدينة الانتظار لا لأنتظر بل لأزهر.
فإن الحب المنتظر هو أنا إذا زهرت.
بعد أن عدت من مرآة الماء ظننت أني بلغت.
ولكن الحب المنتظر همس لي في المنام من بلغ ولم يبتل فقد نام في الطريق.
فصحوت فإذا بي واقف على حافة صحراء الخوف.
رمالها سوداء وسماؤها بلا نجم وريحها تسأل كل عابر لمن تعود.
وما خطوت خطوتين حتى خرجت لي ثعالب الظن.
قالت ارجع فالحب سراب وكل من سبقك مات عطشا.
فضحكت وقلت إن مت عطشا فليكن.
أهون من أن أموت وأنا أشرب من بئر الخوف.
فولت الثعالب وجاءت عقارب الشك.
تقرص القدم وتقول ما يدريك أنه ينتظرك.
فقلت لا أدري ولكني أدري أني إن لم أمش مت يقينا.
وحين كاد الليل يبتلعني انشق الظلام عن نجمة الفجر ثانية.
لكنها لم تكن فوقي كانت في صدري.
فقالت يا أمل أنا لا أطلع في السماء إلا لمن أطلعته في قلبه أولا.
أتذكر سؤالي لك أتطلب حبا يجيء أم حبا تصيره أنت.
قلت صرت أسير إليه فصرته.
قالت إذا اسمع شهادتي عنك.
رأيتك تخرج من مغارة الصبر بلا زاد.
ورأيتك تجالس جبل الأمان فلم تتكئ عليه.
ورأيتك تشرب من نهر الشوق فلم تغرق.
ورأيتك اليوم في صحراء الخوف ولم تلتفت وراءك.
فاشهدوا يا رمال أن هذا هو العاشق.
وما أن نطقت الشهادة حتى تفجرت تحت قدمي واحة.
نخلها صمت وماؤها رضا وظلها يقين.
وفي وسطها لم أجد عرشا ولا حبيبا جالسا.
وجدت بذرة صغيرة عارية ترتجف.
ففهمت أن الإنسان يصنع نفسه بيديه.
وفهمت أن الحب لا يعطي إلا ذاته.
فغرست البذرة وسقيتها من دمعي وظللتها بصبري.
ومن يومها وأنا أقيم في الواحة.
لا أنتظر الثمرة بل أصير لها تربة.
فإن الحب المنتظر لم يكن شخصا آتيا من بعيد.
كان بذرة في وخفت أن أسقيها.
بقلمي
حسن المكاوي
المغرب

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015