-->
»نشرت فى : الأحد، 27 سبتمبر 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مدخل تأملي وجودي _ الناقدة ميلودة غانم


 مدخل تأملي وجودي إلى ديوان الأمواج االرمادية للشاعرة حنان الدومي

مدخل تأملي وجودي إلى ديوان الأمواج االرمادية للشاعرة حنان الدومي

بقلم الأستاذة والناقدة ميلودة غانم

في عالمٍ تتسارع فيه الأصوات وتتشابه فيه التجارب، يطلّ ديوان «الأمواج الرمادية» كفسحة تأملٍ هادئة، تدعونا إلى الإصغاء العميق لنداء الذات وهي تعبر أمواج الوجود. هنا لا تكتفي الشاعرة حنان الدومي بتدوين المشاعر العابرة، بل تنسج من اللغة جسورًا بين الإنسان وأسئلته الكبرى؛ أسئلة المعنى، والغياب، والبحث الدائم عن الحقيقة.
تتقدّم قصائد الديوان واحدةً تلو الأخرى، كأنها محطات تأملٍ في رحلة روحية وفكرية، حيث تتشابك التجربة الشعورية مع البعد الفلسفي في نسيجٍ شعري رفيع. فاللغة لدى الشاعرة حنان الدومي ليست مجرد أداة تعبير، بل فضاءٌ تتكثف فيه الرؤى كتابةً وإحساسًا قلّ نظيره في زمننا هذا الذي تطغى فيه السطحية. ومن هنا يبدو ديوان "الأمواج الرمادية" مختلفًا عن كثيرٍ من الدواوين الشعرية؛ إذ تتشكل فيه صور الوجود بين الضوء والظل، وبين الحضور والغياب، وبين اليقين والحيرة.
وفي هذا الأفق الشعري تستحضر حنان الدومي روحًا من رقيّ الماضي، ذلك الرقي الذي يجعل الشعر أقرب إلى الحكمة منه إلى الزخرف، وإلى التأمل العميق أكثر من الاكتفاء بوصف اللحظة. لذا تبدو قصائد "الأمواج الرمادية" كأنها مرايا متعددة تعكس قلق الإنسان المعاصر، وتعيد صياغته في لغة شفافة وعميقة تتردد فيها أصداء الفلسفة والوجدان معًا.
ولعلّ من بين قصائد هذا الديوان التأملي الوجودي تستوقفنا قصيدة "شعبٌ ثائر" بوصفها نصًا يقف عند تقاطع الشعر والوجود؛ حيث يتحول السؤال الإنساني إلى طاقة شعرية، ويتحوّل الألم الجمعي إلى لغة تبحث عن الضوء وسط أمواج هذا العالم الرمادية.
فـ "كيانُ شعبٍ ثائر" ليست مجرد قصيدة تصف واقعًا عابرًا، بل هي صدى لقلق الإنسان في عصرنا المضطرب. هنا لا تكتب الشاعرة عن شعبٍ بعينه، بل عن ذلك الإنسان الجمعي الذي تتقاذفه رياح التاريخ كما تتقاذف الأمواج أرواحًا تبحث عن الخلاص.
إنها لحظة شعرية تتجاوز حدود التعبير المباشر، لتغدو تأملًا وجوديًا في مصير الإنسان حين تتكاثف عليه العواصف التاريخية وتضيق به الأزمنة. إنها قصيدة تنبع من وجدان شاعرةٍ تحمل حساسية الماضي ورقّته، فتجعل من اللغة مساحةً يتجاور فيها الألم الإنساني مع البحث العميق عن معنى الكرامة والحرية.
منذ المطلع، حين تقول الشاعرة:
"تعترينا رياحٌ ونسائمُ…
تشترينا قلوبًا غنائمَاً"
تضعنا أمام صورة كونية متحركة، حيث لا تبدو الرياح مجرد ظاهرة طبيعية، بل رمزًا لتلك القوى التي تعبث بمصائر الشعوب. فالإنسان هنا يبدو كأنه محمول على تياراتٍ لا يملك دائمًا السيطرة عليها، وكأن التاريخ نفسه يتحول إلى ريحٍ تعصف بالقلوب فتجعلها غنائم في معارك لا تنتهي.
ثم يتكثف المشهد المأساوي حين تقول الشاعرة:
"تمضغ ليالينا بظلمٍ في ظلائم…
فتبرق السماء كفاتًا… تمطر دماء"
هنا تبلغ الصورة الشعرية ذروة كثافتها؛ فالليل لم يعد زمنًا للسكون، بل صار كائنًا يمضغ الزمن في فم الظلم. والسماء التي يُفترض أن تكون رمز الرحمة تتحول إلى فضاءٍ يمطر دمًا، وكأن الكون كله يشارك الإنسان وجعه. إنها رؤية شعرية تجعل الألم ليس حدثًا عابرًا، بل تجربة وجودية يعيشها الإنسان في عمق كيانه.
وعندما تقول الشاعرة:
"والدماء تفيض من عيون الثكالى…
فترثي الأرامل بعولًا مضوا"
تتحول القصيدة من المشهد الكوني إلى المشهد الإنساني الحميم؛ فالحرب هنا لا تُروى بلغة التاريخ، بل بلغة الدموع. فالأم الثكلى، والأرملة التي فقدت زوجها، ليستا مجرد صورتين شعريتين، بل هما ذاكرة إنسانية حية تذكّرنا بأن كل حربٍ تبدأ في السياسة، لكنها تنتهي في قلب الإنسان.
ومع توالي الصور الشعرية تقول الشاعرة:
"نتشأشأ فنمشي ونمشي إلى لا مستقر…
إلى عفوة القدر"
وهنا تدخل القصيدة في بعدٍ فلسفي واضح؛ فالإنسان يبدو كأنه يسير في طريقٍ بلا يقين، بين الإرادة والقدر، بين الرغبة في النجاة والاستسلام لمجهولٍ أكبر منه. وهذا السير الوجودي يعكس حالة الشعوب التي تبحث عن ملاذٍ في عالمٍ يضطرب من حولها.
لكن ذروة التأمل تأتي في المقطع الأخير:
"فنصير أسرابًا مجهولة
لا ماضٍ ولا حاضرَ لأزمنةٍ مقبولة
آذانٌ صمّاء وقلوبٌ مغلولة
مكبّلة بسلاسل القهر مذلولة"
هنا تبلغ القصيدة عمقها الفلسفي؛ إذ تطرح سؤال الهوية والذاكرة. فحين يفقد الإنسان ماضيه وحاضره، يصبح مجرد كائنٍ تائه في الزمن، أسير صمتٍ قاسٍ وقلوبٍ مغلقة. إنها لحظة إدراك مريرة بأن القهر لا يقتل الجسد فحسب، بل يهدد الذاكرة والروح معًا.
ومع ذلك فإن روح الشاعرة حنان الدومي لا تستسلم لليأس؛ فوجود كلمة "ثائر" في عنوان القصيدة ليس صدفة، بل إعلان ضمني بأن هذه المعاناة ليست نهاية الطريق. فالثورة هنا ليست مجرد فعلٍ سياسي، بل فعلٌ إنساني وجودي ينهض فيه الإنسان ليعيد اكتشاف ذاته وكرامته.
وبهذا المعنى يمكن قراءة هذه القصيدة بوصفها شهادة شعرية على زمنٍ مضطرب، لكنها في الوقت نفسه رسالة أملٍ خفية؛ إذ تذكّرنا بأن الشعوب التي تعاني اليوم قادرة على أن تتحول غدًا إلى شعوبٍ تصنع فجرها. فالشعر، كما يبدو في تجربة حنان الدومي، ليس مجرد وصفٍ للألم، بل محاولة لإبقاء جذوة الإنسان متقدةً وسط أمواج هذا العالم الرمادية.
وهكذا تقف حنان الدومي في هذه القصيدة عند تخوم الشعر والفكر معًا، لتمنح الكلمة دورها النبيل: أن تكون شاهدًا على الألم، وحارسًا للأمل، ورسالة تؤكد أن الإنسان، مهما اشتدت عليه العواصف، يبقى قادرًا على أن ينهض… وأن يحلم.
وفي النهاية، فإن هذا الديوان لا يُقرأ قراءة عابرة، بل يُصغى إليه كما يُصغى إلى أمواج البحر حين تتوالى في إيقاعٍ هادئ، تحمل في حركتها سرّ العمق واتساع الأفق. ومن هنا تنبع جاذبيته؛ إذ يجد القارئ نفسه مدعوًا إلى الغوص في طبقاته الرمزية، حيث تتحول القصيدة إلى سؤالٍ مفتوح، وتأملٍ يرافق القارئ حتى بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.
في عالمٍ تتسارع فيه الأصوات وتتشابه فيه التجارب، يطلّ ديوان «الأمواج الرمادية» كفسحة تأملٍ هادئة، تدعونا إلى الإصغاء العميق لنداء الذات وهي تعبر أمواج الوجود. هنا لا تكتفي الشاعرة حنان الدومي بتدوين المشاعر العابرة، بل تنسج من اللغة جسورًا بين الإنسان وأسئلته الكبرى؛ أسئلة المعنى، والغياب، والبحث الدائم عن الحقيقة.
تتقدّم قصائد الديوان واحدةً تلو الأخرى، كأنها محطات تأملٍ في رحلة روحية وفكرية، حيث تتشابك التجربة الشعورية مع البعد الفلسفي في نسيجٍ شعري رفيع. فاللغة لدى الشاعرة حنان الدومي ليست مجرد أداة تعبير، بل فضاءٌ تتكثف فيه الرؤى كتابةً وإحساسًا قلّ نظيره في زمننا هذا الذي تطغى فيه السطحية. ومن هنا يبدو ديوان "الأمواج الرمادية" مختلفًا عن كثيرٍ من الدواوين الشعرية؛ إذ تتشكل فيه صور الوجود بين الضوء والظل، وبين الحضور والغياب، وبين اليقين والحيرة.
وفي هذا الأفق الشعري تستحضر حنان الدومي روحًا من رقيّ الماضي، ذلك الرقي الذي يجعل الشعر أقرب إلى الحكمة منه إلى الزخرف، وإلى التأمل العميق أكثر من الاكتفاء بوصف اللحظة. لذا تبدو قصائد "الأمواج الرمادية" كأنها مرايا متعددة تعكس قلق الإنسان المعاصر، وتعيد صياغته في لغة شفافة وعميقة تتردد فيها أصداء الفلسفة والوجدان معًا.
ولعلّ من بين قصائد هذا الديوان التأملي الوجودي تستوقفنا قصيدة "شعبٌ ثائر" بوصفها نصًا يقف عند تقاطع الشعر والوجود؛ حيث يتحول السؤال الإنساني إلى طاقة شعرية، ويتحوّل الألم الجمعي إلى لغة تبحث عن الضوء وسط أمواج هذا العالم الرمادية.
فـ "كيانُ شعبٍ ثائر" ليست مجرد قصيدة تصف واقعًا عابرًا، بل هي صدى لقلق الإنسان في عصرنا المضطرب. هنا لا تكتب الشاعرة عن شعبٍ بعينه، بل عن ذلك الإنسان الجمعي الذي تتقاذفه رياح التاريخ كما تتقاذف الأمواج أرواحًا تبحث عن الخلاص.
إنها لحظة شعرية تتجاوز حدود التعبير المباشر، لتغدو تأملًا وجوديًا في مصير الإنسان حين تتكاثف عليه العواصف التاريخية وتضيق به الأزمنة. إنها قصيدة تنبع من وجدان شاعرةٍ تحمل حساسية الماضي ورقّته، فتجعل من اللغة مساحةً يتجاور فيها الألم الإنساني مع البحث العميق عن معنى الكرامة والحرية.
منذ المطلع، حين تقول الشاعرة:
"تعترينا رياحٌ ونسائمُ…
تشترينا قلوبًا غنائمَاً"
تضعنا أمام صورة كونية متحركة، حيث لا تبدو الرياح مجرد ظاهرة طبيعية، بل رمزًا لتلك القوى التي تعبث بمصائر الشعوب. فالإنسان هنا يبدو كأنه محمول على تياراتٍ لا يملك دائمًا السيطرة عليها، وكأن التاريخ نفسه يتحول إلى ريحٍ تعصف بالقلوب فتجعلها غنائم في معارك لا تنتهي.
ثم يتكثف المشهد المأساوي حين تقول الشاعرة:
"تمضغ ليالينا بظلمٍ في ظلائم…
فتبرق السماء كفاتًا… تمطر دماء"
هنا تبلغ الصورة الشعرية ذروة كثافتها؛ فالليل لم يعد زمنًا للسكون، بل صار كائنًا يمضغ الزمن في فم الظلم. والسماء التي يُفترض أن تكون رمز الرحمة تتحول إلى فضاءٍ يمطر دمًا، وكأن الكون كله يشارك الإنسان وجعه. إنها رؤية شعرية تجعل الألم ليس حدثًا عابرًا، بل تجربة وجودية يعيشها الإنسان في عمق كيانه.
وعندما تقول الشاعرة:
"والدماء تفيض من عيون الثكالى…
فترثي الأرامل بعولًا مضوا"
تتحول القصيدة من المشهد الكوني إلى المشهد الإنساني الحميم؛ فالحرب هنا لا تُروى بلغة التاريخ، بل بلغة الدموع. فالأم الثكلى، والأرملة التي فقدت زوجها، ليستا مجرد صورتين شعريتين، بل هما ذاكرة إنسانية حية تذكّرنا بأن كل حربٍ تبدأ في السياسة، لكنها تنتهي في قلب الإنسان.
ومع توالي الصور الشعرية تقول الشاعرة:
"نتشأشأ فنمشي ونمشي إلى لا مستقر…
إلى عفوة القدر"
وهنا تدخل القصيدة في بعدٍ فلسفي واضح؛ فالإنسان يبدو كأنه يسير في طريقٍ بلا يقين، بين الإرادة والقدر، بين الرغبة في النجاة والاستسلام لمجهولٍ أكبر منه. وهذا السير الوجودي يعكس حالة الشعوب التي تبحث عن ملاذٍ في عالمٍ يضطرب من حولها.
لكن ذروة التأمل تأتي في المقطع الأخير:
"فنصير أسرابًا مجهولة
لا ماضٍ ولا حاضرَ لأزمنةٍ مقبولة
آذانٌ صمّاء وقلوبٌ مغلولة
مكبّلة بسلاسل القهر مذلولة"
هنا تبلغ القصيدة عمقها الفلسفي؛ إذ تطرح سؤال الهوية والذاكرة. فحين يفقد الإنسان ماضيه وحاضره، يصبح مجرد كائنٍ تائه في الزمن، أسير صمتٍ قاسٍ وقلوبٍ مغلقة. إنها لحظة إدراك مريرة بأن القهر لا يقتل الجسد فحسب، بل يهدد الذاكرة والروح معًا.
ومع ذلك فإن روح الشاعرة حنان الدومي لا تستسلم لليأس؛ فوجود كلمة "ثائر" في عنوان القصيدة ليس صدفة، بل إعلان ضمني بأن هذه المعاناة ليست نهاية الطريق. فالثورة هنا ليست مجرد فعلٍ سياسي، بل فعلٌ إنساني وجودي ينهض فيه الإنسان ليعيد اكتشاف ذاته وكرامته.
وبهذا المعنى يمكن قراءة هذه القصيدة بوصفها شهادة شعرية على زمنٍ مضطرب، لكنها في الوقت نفسه رسالة أملٍ خفية؛ إذ تذكّرنا بأن الشعوب التي تعاني اليوم قادرة على أن تتحول غدًا إلى شعوبٍ تصنع فجرها. فالشعر، كما يبدو في تجربة حنان الدومي، ليس مجرد وصفٍ للألم، بل محاولة لإبقاء جذوة الإنسان متقدةً وسط أمواج هذا العالم الرمادية.
وهكذا تقف حنان الدومي في هذه القصيدة عند تخوم الشعر والفكر معًا، لتمنح الكلمة دورها النبيل: أن تكون شاهدًا على الألم، وحارسًا للأمل، ورسالة تؤكد أن الإنسان، مهما اشتدت عليه العواصف، يبقى قادرًا على أن ينهض… وأن يحلم.
وفي النهاية، فإن هذا الديوان لا يُقرأ قراءة عابرة، بل يُصغى إليه كما يُصغى إلى أمواج البحر حين تتوالى في إيقاعٍ هادئ، تحمل في حركتها سرّ العمق واتساع الأفق. ومن هنا تنبع جاذبيته؛ إذ يجد القارئ نفسه مدعوًا إلى الغوص في طبقاته الرمزية، حيث تتحول القصيدة إلى سؤالٍ مفتوح، وتأملٍ يرافق القارئ حتى بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.
  • رد
  • مشاركة
  • الشاعر فارس محمد ولك أزكى تحية 
    🌹
  • رد
  • مشاركة
  • رد
  • مشاركة
    • اضف تعليقاً عبر:

    • blogger
    • disqus

    الابتسامات

    0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

    design by : bloggerinarab, powered by : blogger
    كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة المســــ العربية ـــــاء 2014 - 2015