الطفل يتكلم بالمهد _ أيمن حسن محمد
جلست زوجتي وسكبت القهوة، وكانت لا تزال ساخنة، في الفناجين، بينما بقيت عيناها معلّقتين بسرير طفلنا الغافي، الذي لم يمضِ على مجيئه إلى الدنيا سوى شهرين.
قالت لي: — لماذا لا يستيقظ؟
أخذت رشفة على عجل، فاحترق لسانها، وأخذت تحركه بسرعة وهي تردد: — لَ لَ لَ لَ...
ثم ركضت نحو طفلها، الذي بدأ يعزف سيمفونية الوجود ببكائه.
رفعته بكلتا يديها، كأنها ترفعه إلى فلكٍ مشحون بالحياة، ثم جلست واستنشقت رائحته، كأنها تشم عبق الياسمين والنرجس والنعناع. ضمته إلى صدرها كأنه اللوح المحفوظ، وأرضعته، فانسكب اللبن كأنه ماء وعسل.
رفع الطفل يديه الصغيرتين ووضعهما على صدر أمه.
توقفت.
نظر إليها، ونظرت إليه.
وكان الكلام كلام العيون.
قال الطفل:
— أمي، أبقيني في كهف حنانك ثلاثمائة سنة وزيدي تسعًا... أو أقول لك: دعيني فيه إلى الأبد. أعدك أنني لن أكون جبارا ولا شقيا. و أكون راكعا ساجدا في محراب عينيك
ارتسمت على شفتي أمه بسمة، وسقطت دمعة صغيرة كانت معلقة بطرف هدبها.
قالت: — إن كان كلامك صحيحًا يا قرة العين، فلماذا تنطق «بابا» قبل «ماما»؟
أجاب: — لأن ماما مكنون سري، ولا أستطيع أن أبوح به حتى أبلغ الرشد.
بدأت الأم تمسح رأسه، ثم داعبت بشرته بنسمات الوله.
أخذ جفناه يطبقان شيئًا فشيئًا، كأن النوم ينتزع قراره منه.
قال الطفل: — أمي، لا أريد أن أفارقك. نامي معي في المهد، أرجوك.
قالت: — وأنا لن أفارقك.
فهمس: — تأبى سكينتي أن تهدأ إلا بك.
قالت: — كان الكون عليّ ضيقًا حتى أقبلتَ أنت، فاتسع. أشكر الله في كل سجدة، وأحمده على دوام الأبد.
قال الطفل: — الحمد لله، والشكر لكِ، لأنكِ جنة من ديباج ولؤلؤ وريحان.
ثم أغمض عينيه وقال: — تصبحين على خير يا أمي.
صار جفناه يطبقان مع كل شهيق وزفير، حتى غفا.
ضمته أمه، وشمت رائحته كأنها تشم رائحة الجنة، ثم حملته بكفّي عطفها إلى مهده، ووضعته فيه وهي تقول:
— ربي احفظه، وأنت خير الحافظين.
أحسست بقشعريرة وأنا أرقبهما.
تحدثا.
لا صوت.
لا لغة.
كان النور في عينيهما يتكلم، وكانت المحبة تعرف طريقها دون كلمات.
تحدثت لغة الخلق.
تحدثت لغة الأصل.
ثم خيّم الصمت.
فقلت في سري:
سلامًا، سلامًا، سلامًا إلى كل أم.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات