الدهليز _ أيمن حسن محمد
الدهليز بقلم أيمن حسن محمد
تفتحت بصيرتي نوعًا ما، فوجدت نفسي في دهليز مظلم، ظننت أنه لا نهاية له. تحسست كل شيء من حولي، لعلني أجد ما يهدئ روعي، لكن أفكارًا سوداء بدأت تنخر عقلي، ورهاب الخوف وصل إلى عظامي. كدت أسقط، ومشيت بخطى غير متوازنة، أبحث عن شيء أتكئ عليه.
التفت يمنة ويسرة، علّي أرى بارقة أمل تخرجني من هذا العالم المظلم.
مشيت، فرأيت حملانًا وديعة تكشّر عن أنيابها، تتحدث بالمواعظ وتأكل لحوم أقرانها. وضعت أصبعي في أذنيّ؛ لم أعد أريد أن أسمع مواعظها. تسارعت خطاي، فإذا بأفعى ملساء تمر بجانبي، تتلوى وتغيّر شكلها مع كل لَوية، ويتقطر السم الزعاف من بين أنيابها.
ركضت من شدة الخوف.
كنت تائهًا... أين الطريق؟ إلى أين أذهب؟
ذرفت الدموع على نفسي وقلت: ما هذا العالم؟ أين أنا؟
التفت، فرأيت طفلًا شاحب الوجه يأخذ الطعام من القمامة لأمه العجوز. كانت عيناها غائرتين، تبتلع ريقها بصعوبة، وتنظر إلى الأعلى، كأنها تنتظر الموت على فراشها.
أصبت بالبكم، وزاد الخوف في داخلي.
ثم وصلت إلى لافتة رُسمت عليها بندقية، كُتب تحتها:
نهر السلام.
كان النهر أحمر قانيًا.
رفعت نظري إلى أعلاه، فرأيت ذئابًا تضحك، تجزّ الرقاب، والدماء تسيل منها.
وبجانب النهر رأيت مشفى.
انفرجت أساريري للحظة، لكن البؤس عاد أشد قسوة؛ أناس بلا كلى، بلا أعضاء، يخرجون من المشفى وهم مبتسمون.
نظرت إليهم مذهولًا:
— على ماذا يبتسمون؟
ولّيت هاربًا، لا أدري إلى أين. كل شيء يلاحقني. لماذا تلاحقني الدنيا كلها؟ إلى أين أهرب؟
لماذا لا أتكلم؟ لماذا لا أصرخ؟ كأنني أصبت بالخرس.
جلست وبكيت، لكن ما فائدة البكاء؟
هل أنا حي أم ميت؟ لماذا أنا وحيد في هذا الطريق؟
قطع أفكاري عجوز، كل لباسه من ذهب، يقبل فتاة في غاية الجمال. لم يكلّماني؛ كان مشغولًا بعدّ المال ومناولته لها.
أردت أن أقول له:
— كل هذا المال هناك في الخلف؛ طفل جائع، ودماء، ومشفى...
نظر إليّ بشفقة، ثم أطلق ضحكة هستيرية.
أما الفتاة، فأمسكت رزمة المال وهزّتها أمام عيني.
راودتني رغبة في سرقتها والركض بها إلى الخلف. قلت في نفسي: هذا عجوز لن يلحقني، والفتاة ضعيفة.
لكنني حين نظرت إليهما... اختفيا.
قلت في ذهول:
— ما هذا؟ ماذا يحدث؟
رفعت رأسي إلى الأفق البعيد، فرأيت حمامة وشجرة زيتون.
قلت في نفسي: حمامة وزيتون في هذا العالم!
يا لسخرية القدر...
لكن شيئًا ما تغيّر. بدأ الأمل يتسلل إلى قلبي.
مشيت، وواصلت السير باتجاه الزيتونة.
رأيت رجلًا ذا سكينة ووقار، رسمت المحبة صورة إنسانية على وجهه. وبجانبه بذار، ومعول، وماء.
رفع في وجهي ورقة، كُتب عليها:
إن كنت أعمى، فلا تكلمني.
ألقيت السلام، فلم يجبني. أشار بيده إلى الأعلى.
رفعت رأسي، فرأيت معلّمي أعلى الزيتونة، يشعل شمعة ذات ضوء خافت.
ناداني:
— خذ البذار والماء من الشيخ، وازرعهما في الأرض الطيبة.
ازداد شهيقي وزفيري.
تابع:
— لا تنسَ
ثم صعد إلى الأعلى.
جاءني صوت الشيخ:
— هاك البذار والماء. لا تنسَ أن تزرعهما في الأرض الطيبة. احمل ألمك، وتسلّح بالعقل، وانشر المعرفة، ولا تنسَ المحبة؛ فهي التي تضيء الطريق.
أخذت البذار والماء، ونظرت إلى الأرض أمامي.
لأول مرة، لم أعد أبحث عن طريق للخروج من الدهليز.
بدأت أبحث عن مكان أزرع فيه.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات